شفافية ومساءلة
أموال اللوبي الإسرائيلي تتحول عبئاً في سباق الرئاسة الأميركية
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
طوال نصف قرن كان أضمنُ رهان في السياسة الأميركية أن مال اللوبي الموالي لإسرائيل ينفع المسيرةَ السياسية ولا يضرّها أبداً. تحقيق «الغارديان» التفاعلي الجديد، المنشور السبت، يهبط على سباقٍ بدأ فيه ذلك القانون يتصدع: فمع تشكّل ميدان الرئاسة الأميركية لعام 2028، ما زال المال يتدفق — لكن المرشحين أنفسهم صاروا، للمرة الأولى، يعاملونه شيئاً يُتبرأ منه. حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم يعلن اليوم أنه «لم يقبل ولن يقبل أبداً» دعم «أيباك»؛ والسيناتور كوري بوكر، الذي يسجّل له كشفُ «تراك أيباك» نحو 846 ألف دولار من لجان اللوبي عبر مسيرته، قطع تمويل المنظمة عنه هذا العام. اللوبي الذي كان قادراً على إنهاء مسيرة نائبٍ في انتخابات تمهيدية يكتشف أن تزكيته صارت الشيءَ الذي يعتذر عنه المرشحون — وللفلسطينيين المراقبين للعاصمة التي ستقرر إعمار غزة ومصير الدولة، الشطران معاً مهمّان.
الدفتر#
المال المعنيّ ليس صغيراً، وهو علنيّ بدقة. فكشفُ مشروع «تراك أيباك» الرئاسي — المبني على الإفصاحات الفدرالية — يسجّل أكثر من 9 ملايين دولار من أموال اللوبي عبر مسيرة كامالا هاريس، منها نحو 6.1 مليون تبرعاتِ لجانٍ و2.9 مليون إنفاقاً مستقلاً؛ و846 ألفاً لبوكر؛ و495 ألفاً للسيناتور مارك كيلي؛ و191 ألفاً لبيت بوتيجيج. وخلف أرقام الرئاسة تقبع الآلة الكونغرسية التي وثّقتها «الغارديان» في وقت سابق من الحرب: أكثر من 58 مليون دولار من «أيباك» و«الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل» واللجان الحليفة لأعضاء الكونغرس في دورة انتخابية واحدة — تركّز منها نحو 25 مليوناً، أي اثنان وأربعون بالمئة، على ستة ديمقراطيين فقط هزموا منافسين تقدميين في التمهيديات. تلك هي الآلة التي أسقطت جمال بومان وكوري بوش، وقد لخّص منطقَها للصحيفة الاستراتيجيُّ وليد شهيد: «ليست هناك لوبيات كثيرة مستعدة لإنفاق ملايين الدولارات لإسقاطك في انتخابات تمهيدية».
انسحابٌ ليس انسحاباً#
الذي تغيّر ليس مواردَ اللوبي بل سمعتُه التجارية. فقد نقل موقع «ذي إنترسبت» في ديسمبر/كانون الأول أن «أيباك» تتراجع عن التزكيات العلنية والإنفاق الانتخابي المباشر — تراجعاً عن الظهور لا عن النفوذ، بتعبير الموقع. ووثّقت «الجزيرة» في مايو/أيار أين ذهب الظهور: فمع تحوّل اسم «أيباك» سُمّياً لدى الناخب الديمقراطي، هاجر الإنفاق إلى منظومة طبقية من اللجان السياسية بأسماء لا تُفصح عن غرضها شيئاً، تُخفي مصدرَ المال عن الناخبين الذين يستميلهم. والمرشحون تعلّموا الرقصة الجديدة: فتحليلٌ لموقع «آي دي إن» لمواقف الميدان الديمقراطي وجد معظمَ مرشحي 2028 المحتملين يتباعدون عن «أيباك» المنظمةِ فيما يعتنقون جوهرَ مواقفها — وتعهدُ نيوسوم الحالةُ الرمزية: رفضٌ للمال، وعناءٌ ظاهر، أرّخه المعلقون الأميركيون، في تسمية السياسة التي ستتغير بسببه. أما مدافعو اللوبي فيسمّون هذا كله تعدديةً عادية؛ إذ قال رئيس «الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل» مارك ملمان لـ«الغارديان» إن نظام اللوبيات «يعمل هكذا في كل قضية». والفرق، كما يُظهر الدفتر، هو الحجم — وما الذي يُنفَق المال لأجله.
ماذا يعني ذلك للملف الفلسطيني#
مقروءاً من غزة ورام الله، يوثّق التحقيق تحولاً لم يكن للفلسطينيين قبل عقد: الكلفة السياسية لمال اللوبي الموالي لإسرائيل صارت حقيقية بما يكفي ليحسب مرشحو الرئاسة حسابها — تغيّرٌ لم يصنعه لوبي فلسطيني ما، فليس ثمة ما يقارَن أصلاً، بل صنعه تحرك الرأي العام الأميركي عبر ثلاث سنوات من دمار متلفز. تلك رافعة، ومن الأمانة تسميتها. ومن الأمانة بالقدر نفسه تسمية حدودها: مرشحٌ يرفض دولارات «أيباك» ويحتفظ بمواقفها لا يكلّف الفلسطينيين أقل مما كان؛ واللجانُ الطبقية تعني أن غياب المال عن استمارة إفصاح لم يعد يثبت غيابه عن السباق. الفائز في 2028 سيرث مجلس السلام، وآلةَ الاستقرار التي قدّمتها هذه الصحيفة عبر ملف الأدميرال براد كوبر، وسؤالَ الدولة الفلسطينية الذي أرجأته واشنطن جيلاً كاملاً. لذا سيتتبع هذا المكتب السباقَ بالمقياس الوحيد الذي حرّك الملف يوماً: لا الشيكات التي يُعيدها مرشح، بل السياسة التي يلتزم بها علناً تجاه الاحتلال والإعمار والدولة — بنداً ثابتاً في تغطيتنا الواشنطنية من اليوم.