شفافية ومساءلة
مجموعة واحدة تعادل 40% من بورصة فلسطين.. والباقي عصيّ على القياس
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
يمكن قياس التركّز في الاقتصاد الفلسطيني عند قمة السوق، ولا يكاد يمكن قياسه في أي موضع آخر. فشركة باديكو القابضة تذكر على موقعها الإلكتروني أن القيمة السوقية للمجموعة وشركاتها المدرجة في بورصة فلسطين تبلغ 1.8 مليار دولار، أي "نحو 40% من القيمة السوقية للبورصة". فيما يضع ملف تعريفي للمنتدى الاقتصادي العالمي عن مجموعة الاتصالات الفلسطينية (بالتل) هذه الشركة وحدها عند 31 في المئة من إجمالي القيمة السوقية للبورصة. ولأن احتساب باديكو يشمل شركات ضمن مجموعة بالتل، فلا يمكن جمع الرقمين، كما أن أياً منهما غير مؤرّخ في النسخ المنشورة.
أما دون مستوى الشركات المدرجة، فإن هذه العملية غير ممكنة. فقد قال جمال أبو فرحة، مدير عام الإدارة العامة للمنافسة في فلسطين، في فعالية حول المنافسة نظمتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تموز/يوليو 2020، إن "فلسطين لا تملك قانوناً للمنافسة في الوقت الراهن"، وفق تقرير عن الفعالية نشرته مدونة Kluwer Competition Law Blog، التي تسجّل أن الجهود الرامية إلى إنجاز مثل هذا القانون مستمرة منذ عام 2003، وأنه لم تُنشأ أي هيئة مستقلة لإنفاذ قواعد المنافسة. وخلصت دراسة في مجلة العلوم القانونية بجامعة بغداد إلى الخلاصة نفسها: النصوص المتفرقة في التشريعات الفلسطينية القائمة لا ترقى إلى نظام للمنافسة، وإن إنشاء هيئة إنفاذ يتطلب قانوناً خاصاً.
وفي غياب ذلك القانون، لا توجد جهة تجمع بيانات الحصص السوقية أو هوامش الربح لدى المستوردين، ما يعني أن الهوامش المحققة في استيراد الإسمنت والوقود والغذاء غير مسجّلة في السجل العام على الإطلاق.
ما هو مسجّل في السجل العام هو ربحية قطاع الاتصالات المدرج. فقد سجّلت بالتل صافي دخل بلغ 41.79 مليون دينار أردني في عام 2024 على إيرادات قدرها 241.13 مليون دينار، وفق إفصاحات جمّعتها شركة سهم للتداول والاستثمار وخدمة البيانات StockAnalysis، التي تسجّل تراجع الإيرادات بنسبة 14 في المئة وتراجع الأرباح بنسبة 3.6 في المئة على أساس سنوي. ويضع موقع Investing.com هامش صافي ربح الشركة للاثني عشر شهراً المتحركة عند 17.33 في المئة، وقيمتها السوقية عند ما يزيد قليلاً على 700 مليون دينار. وعملت مذكرة بحث في الأسهم أعدتها AlphaMena، ومنشورة على الموقع الرسمي لبالتل، على أساس هامش أرباح متوقع قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء بمتوسط 42.3 في المئة، وهامش أرباح تشغيلية بنسبة 24.3 في المئة.
وتعزو الشركة التراجع الأخير إلى الحرب. ففي إفصاحها عن الربع الأول من عام 2024، الذي أوردته الخدمة المالية BNews، قالت بالتل إن الإيرادات انخفضت 23 في المئة إلى 57.5 مليون دينار، وإن صافي الربح تراجع إلى 6.2 مليون دينار من 11.3 مليون دينار، ويعود ذلك أساساً إلى العدوان على غزة، وانقطاع الخدمات، وتقديم مئات ملايين الدقائق والرسائل وأحجام الإنترنت مجاناً.
وكان هيكل التسعير الذي أنتج تلك الهوامش موضوع تقييم للبنك الدولي عُمّم عبر منظومة وثائق الأمم المتحدة، وخلص إلى أن موقع الاحتكار الذي تشغله بالتل على مستوى التجزئة كان محدداً رئيسياً للأسعار التي يدفعها المستهلكون الفلسطينيون، واستشهد برقم حصة سوقية يبلغ 80 في المئة قدّمته شركة جوال نفسها، وقارن سعر تجزئة يبلغ نحو 20 سنتاً أميركياً للدقيقة بكلفة مفترضة تناهز 4 سنتات. ويصف ذلك التقييم السوق قبل وجود مشغّل ثانٍ؛ فيما تسجّل مذكرة AlphaMena أن بالتل هيمنت على السوق أكثر من عقد إلى أن أطلقت الوطنية موبايل خدماتها في الضفة الغربية في نهاية عام 2009، وأن المشغّلَين يواجهان ما تسميه منافسة غير قانونية من شركات الهاتف المحمول الإسرائيلية التي تستخدم تغطية في المستوطنات.
أما الشروط التي يُنظَّم القطاع بموجبها فما زالت غير منشورة. فقد أفاد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" في مؤتمره السنوي حول حوكمة قطاع الاتصالات بأن على كل من مجموعة الاتصالات الفلسطينية وشركة أوريدو نشر اتفاقية الامتياز، ولا سيما شقها المالي؛ وأن على ديوان الرقابة المالية والإدارية تفعيل رقابته على الشركات المساهمة العامة التي تدير مرفقاً عاماً؛ وأن على مجلسي إدارة الشركتين اعتماد سياسة مفصّلة ومنشورة لتضارب المصالح، والإفصاح عن نفقات أعضاء مجلس الإدارة والتسهيلات الممنوحة لهم والأسهم التي يملكها الأعضاء وأزواجهم وأبناؤهم القاصرون بصفة شخصية. ولم تُنشر أي من اتفاقيتي الامتياز.
وقد حدّد "أمان" فجوة الملكية بشكل مباشر. ففي توصيات قدّمها إلى رئيس الوزراء بشأن نظام الكوتا وقوائم السلع، ونقلتها شبكة فلسطين الإخبارية PNN، دعا الائتلاف إلى تعديل المادة 14 من القرار بقانون رقم 42 لسنة 2021 بشأن الشركات، بحيث تُلزم بالإفصاح عن المالكين المنتفعين لا عن المفوضين بالتوقيع والمديرين وأعضاء مجالس الإدارة فحسب، مستنداً إلى شكوك متزايدة بأن عدة شركات مسجّلة بأسماء مختلفة يملكها شخص واحد، وهو ما قال إنه يعزّز الاحتكار والتلاعب بالأسعار. كما طالب بوضع سقوف للأسعار، وخطة استيراد سنوية، وإتاحة الوصول إلى الكوتا أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة منعاً لاحتكار حصص الكوتا من قبل عدد محدود من التجار.
وفي جلسة استماع عقدها "أمان" حول النظام نفسه، سُجّل أن هيئة مكافحة الفساد أفادت بأن اللجنة الاقتصادية المشتركة قد تعطّلت، ما جمّد الكميات المسموح باستيرادها رغم تضاعف عدد السكان، وأن السلع المستوردة تفتقر إلى الترميز الجمركي.
ويتبع الإسمنت نمطاً موثّقاً من الحصرية. فقد وجد بحث نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن الشركة الإسرائيلية المنتجة "نيشر" منحت الشركة الفلسطينية للإسمنت ومواد البناء عقد حصرية، وأن الشركة احتكرت فعلياً الاستيراد من ذلك المصدر منذ عام 1995، وأن صغار المستوردين من العائلات تحوّلوا تدريجياً إلى موزّعين.
ويقع صندوق الاستثمار الفلسطيني عند تقاطع الدولة والسوق. ويسجّل المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية أن الصندوق أُنشئ عبر نقل لمرة واحدة لأصول تجارية كانت بحوزة السلطة الفلسطينية، وأنه مسجّل لدى وزارة الاقتصاد الوطني، ويوزّع أرباحاً على الخزينة الفلسطينية حين تطلب الحكومة ذلك. وأحدث إجمالي للأصول في السجل المستخرَج يعود إلى مكتب المساءلة الحكومية الأميركي، الذي أفاد في عام 2013 بأن الصندوق كان يدير نحو 780 مليون دولار حتى عام 2012.
وقد تداخلت رئاسة الصندوق مع الحكومة. فالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية يسجّل أن محمد مصطفى ترأس الصندوق منذ عام 2009، وكان المدير التنفيذي المؤسس لبالتل، وأسّس الوطنية موبايل، وعُيّن رئيساً للوزراء في آذار/مارس 2024؛ فيما يذكر مكتب رئيس الوزراء أنه يرأس أيضاً دائرة الشؤون الاقتصادية في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وخلص تقرير النزاهة السنوي الثامن عشر لـ"أمان"، الذي لخّصته "رايـة"، إلى استمرار ضعف الالتزام بالإفصاح عن تضارب المصالح، ودعا إلى الفصل بين الوظيفة العامة والنشاط التجاري، وأفاد بأن أجهزة الرقابة والقضاء ما زالت تابعة مؤسسياً للسلطة التنفيذية في غياب المجلس التشريعي.
وسواء تقدّم الآن قانون المنافسة المطروح منذ عام 2003 وتعديل الملكية المنتفعة الذي طلبه "أمان" أم لا، فإن ذلك يتوقف على السلطة التنفيذية نفسها التي تعيّن الهيئات المفترض أن تدقّق فيها، ولا يوجد مجلس تشريعي منعقد لمراجعة أي منهما.