شفافية ومساءلة
إسرائيل وواشنطن والضعف الذاتي تُقصي السلطة عن مستقبل غزة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
أعد قراءة دبلوماسية هذا الأسبوع ولاحظ الغائب عن كل جملة فيها. حماس وقّعت إطار نزع السلاح مع «مجلس السلام». الفصائل أقرّت وثيقة البنود الخمسة عشر. جاريد كوشنر وعد، عبر محمد دحلان، بأن اعتداءات إسرائيل ستتوقف مع الصباح. مصر استضافت، وأبوظبي موّلت، وواشنطن صاغت، ولجنة تكنوقراطية تهيّأت للإدارة. أما السلطة الفلسطينية — حكومة الدولة التي يعترف بها اليوم أكثر من 150 بلداً، والمؤسسة التي ظل العالم يقول عقدين إنها من يجب أن يحكم غزة يوماً — فلا تظهر في أي موضع: لا موقّعةً، ولا ضامنة، ولا إدارة، ولا حتى شاهدة. هذا التقرير يشرّح ذلك الغياب، والقوى الثلاث التي أنتجته.
الغياب بنيويّ لا خطابي. فـ«مجلس السلام» المنشأ بموجب قرار مجلس الأمن 2803 للإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة لا يضم — كما يثبّت ذلك بوضوح موجزُ مكتبة مجلس العموم البريطاني — أي عضو فلسطيني على الإطلاق. والهيئة الفلسطينية التي تحته — اللجنة الوطنية لإدارة غزة، خمسة عشر تكنوقراطياً غير منتخبين برئاسة علي شعث — لا تُجيب رام الله بل المدير العام للمجلس نيكولاي ملادينوف. و«الأونروا»، الوكالة الأممية التي حملت خدمات غزة سبعة عقود، أُخرجت من البنية كلها كما وثّق مرصدون فلسطينيون. وحين حلّت حماس لجنتها الحكومية في يوليو/تموز، لاحظ «المركز العربي» في واشنطن أن ما حلّ محل الإدارة الذاتية الفلسطينية لم يكن السلطة بل المجلس نفسه. وحين وُعدت البنادق بالصمت نهاية هذا الأسبوع، سافر الوعد عبر منفيّ في أبوظبي — موضوع تحقيق هذه الصحيفة المرافق — لأن لا قناة عبر الحكومة الفلسطينية كانت تستحق الاستخدام.
القوة الأولى التي توصد الباب إسرائيلية. فمعادلة رئيس الوزراء نتنياهو ثابتة طوال الحرب وما بعدها: لا حكم لحماس في غزة، ولا تسليم للسلطة الفلسطينية أيضاً — رفضٌ لا يلطّفه المسؤولون الإسرائيليون إلا بعبارة «في هذه المرحلة». وليس الرفض عارضاً بل عقائدي: فسلطة تحكم الضفة وغزة معاً هي العمود الإقليمي لدولة فلسطينية، ومنعُ هذه الوحدة سياسة إسرائيلية معلنة عبر حكومات متعاقبة. وكل بنية أنتجتها دبلوماسية الحرب — المجلس واللجنة وقوة التثبيت — مصمّمة على مراعاة هذا الفيتو لا على اختباره.
القوة الثانية اشتراطية أصدقاء السلطة المفترضين. فواشنطن والاتحاد الأوروبي والدول العربية يكررون أن «سلطة فلسطينية مُصلَحة» ينبغي أن تحكم الإقليمين «في نهاية المطاف» — صيغةٌ كلمتها الفاعلة هي «في نهاية المطاف»، وسقفُ إصلاحها لا يُبلغ أبداً. والمانحون الذين ضخّوا يوماً أموال بناء الدولة عبر رام الله باتوا يبنون من حولها: فعواصم الخليج المنتظر أن تموّل الإعمار تفضّل تكنوقراطية يشرف عليها مجلس تجلس قربه، وأبوظبي تحديداً رعت أداتها الفلسطينية الخاصة في دحلان بدل الاستثمار في سلطة لا تثق بها. ويصف تقييم «مرصد المعهد الدولي للسلام» لأشهر المجلس الأولى الحصيلة بدقة سريرية: حكمٌ معلّق بين هيئة دولية تملك الصلاحية بلا شرعية، ومؤسسات فلسطينية تملك الادعاء بلا قدرة.
القوة الثالثة هي حال السلطة نفسها، والصراحة فيها دَينٌ للقراء ما دامت هذه الصحيفة تسمّي الفيتوين الآخرين بلا مواربة. لم تواجه السلطة ناخبيها منذ 2006. رئيسها في التسعين؛ ومنصب نائب الرئيس الجديد مُلئ تعييناً لا اقتراعاً. وخزينتها — كما وثّق تحقيق الموازنة في هذه الصحيفة — تموّل عجزها من رواتب موظفيها غير المدفوعة بينما تحتجز إسرائيل أموال المقاصة التي تجبيها نيابة عنها. وتنسيقها الأمني مع الاحتلال هو، عند كثير من الفلسطينيين، سمتها التعريفية. أما رصيدها في غزة تحديداً فقد أنفقته بيدها: إجراءات 2017 و2018 العقابية — اقتطاع الرواتب والتقاعد المبكر وخفض دفعات الكهرباء — استهدفت الضغط على حماس فهبطت على مليوني غزّي لم ينسوا. وموقف حماس بأنها لن تسمح بعودة السلطة «على ظهر دبابة إسرائيلية» موقفٌ مصلحي، لكنه يجد صداه لأن السلطة أعطته مادته. مؤسسةٌ بهذا الحال لم تفقد مقعدها على طاولة غزة بالمؤامرة وحدها؛ بل بلغت الساعة الحاسمة عاجزةً عن انتزاعه.
جواب رام الله، المتأخر لكنه حقيقي، صار في السجلّ. فحكومة محمد مصطفى حملت برنامج إصلاح ولجنةً إدارية لغزة إلى كل عاصمة مانحة. وقُدّم تعيين حسين الشيخ أول نائب لرئيس منظمة التحرير بوصفه تأميناً للخلافة أمام الجمهور نفسه. وفي 9 يوليو/تموز أصدر الرئيس عباس المرسوم الذي يشكّل الرد الفعلي للسلطة: انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، الأولى منذ 2006، بمشاركة موعودة في الضفة وغزة والقدس الشرقية. والمنطق مباشر: لا تستطيع السلطة أن تغلب الفيتوات ضغطاً، فهي تحاول أن تغلبها شرعيةً. فحكومة انتخبها الغزّيون فعلاً يصعب على واشنطن صرفها بعبارة «في نهاية المطاف»، ويحرج العواصمَ العربية تجاوزُها بالتكنوقراط، ويستحيل على الفصائل وصمها بأنها مفروضة. الانتخابات المقررة هي، عملياً، طلبُ السلطة ملءَ كرسيها الفارغ بنفسها.
وقبول الطلب رهنٌ بالقوى ذاتها التي أفرغت الكرسي. فإسرائيل لم تقل إن كانت ستسمح بالتصويت في القدس الشرقية — الفيتو نفسه الذي أسقط انتخابات 2021 المقررة — ولم تقل شيئاً عن تسهيل حملة انتخابية في غزةٍ ما زالت قواتها تطوّقها هذا الأسبوع. ولم يُعلن قرار في شأن ترشّح حماس التي فجّر فوزُها الانتخابي الأخير الحصارَ. و«مجلس السلام» لم يوضح إن كانت حكومة فلسطينية منتخبة سترث اللجنةَ التي تُجيب ملادينوف اليوم. وإلى أن توجد هذه الأجوبة، ستُحكم غزة بترتيبٍ تتقاسم فيه كلُّ جهة تملك سلطة على الفلسطينيين — مجلس أجنبي، ولجنة تكنوقراطية، وقوة تثبيت، وقناة خلفية عبر أبوظبي — صفةً واحدة: لا أحد منها يمكن إسقاطه بصندوق اقتراع. غيابُ السلطة عن غزة هو خبر هذا الأسبوع؛ أما الخبر الأعمق فهو أن الغياب يصف، حتى إشعار آخر، علاقةَ كل فلسطيني بالسلطة التي تقرّر مستقبله — و28 نوفمبر هو أول تاريخ على الروزنامة يمكن أن يبدأ بتغيير ذلك.