الصحة والتعافي
الاحتلال يمنع مرضى سرطان غزة من مستشفيات الضفة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
لم يُسمح إلا لمريض واحد من قطاع غزة بالسفر إلى مستشفى في الضفة الغربية المحتلة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولم يحدث ذلك إلا بعد أن نقضت محكمة إسرائيلية رفضًا حكوميًا، وفق ورقة الحقائق الخاصة بالإجلاء الطبي الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بتاريخ 23 شباط/فبراير 2026.
ويسجّل الإحصاء ذاته إجلاء 11124 مريضًا من غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينهم 5835 طفلًا، إضافة إلى 13032 مرافقًا، ويشير إلى أن أكثر من 18500 مريض بحاجة عاجلة إلى علاج غير متوفر داخل القطاع.
ويشكّل مرضى السرطان حصة كبيرة من طابور الانتظار هذا. فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن وزارة الصحة في غزة تُحصي أكثر من 11 ألف مريض سرطان في القطاع، فيما أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية الواردة في التحديث ذاته إجلاء 564 مريض سرطان إلى الخارج منذ كانون الثاني/يناير 2025، بينهم 215 رجلًا و207 نساء و142 طفلًا.
وقدّرت دراسة نُشرت في مجلة جمعية الصحة العامة المصرية في آذار/مارس 2026، استنادًا إلى أرقام منظمة الصحة العالمية، عدد حالات إجلاء مرضى الأورام بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 و29 أيلول/سبتمبر 2025 بـ716 حالة، من أصل 7841 حالة إجلاء من مختلف الأنواع. أما موقع «إنكستيك»، في تقرير نُشر في نيسان/أبريل 2026، فأورد رقمًا إجماليًا لمنظمة الصحة العالمية بلغ 7802 للفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى أيلول/سبتمبر 2025. والرقمان مختلفان.
وقبل الحرب، سجّلت المنظمة خروج ما بين 50 و100 مريض يوميًا من غزة لتلقّي العلاج، بحسب «إنكستيك».
وداخل غزة، كانت رعاية مرضى الأورام متركزة في مبنى واحد. فقد افتُتح مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني عام 2020 بوصفه المستشفى المتخصص بالسرطان في القطاع، بتمويل من الحكومة التركية عبر وكالة التعاون والتنسيق «تيكا»، وعلى أرض خُصّصت بالتنسيق مع الجامعة الإسلامية في غزة، وفق ما أوردته وكالة الأناضول والموسوعة العربية لقناة الجزيرة. وقدّرت «قدس برس» كلفة المجمع الطبي والتعليمي الممتد على 33 دونمًا بـ50 مليون دولار.
وأعلن المستشفى في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2023 توقف جانب كبير من خدماته بسبب نفاد الوقود، ثم توقف ما تبقّى خلال 48 ساعة، وفق مشروع مؤسسة الدراسات الفلسطينية الذي يوثّق الاعتداءات على القطاع الصحي في غزة. ويسجّله مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية خارج الخدمة اعتبارًا من تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بعد نفاد الوقود وتعرّضه لأضرار جسيمة.
وأفادت مجلة «لانسيت أنكولوجي» بأن إسرائيل هدمت المستشفى في 21 آذار/مارس 2025، فيما رجّحت اللقطات المصوّرة أن العملية كانت تفجيرًا مُحكمًا، في حين تؤرّخ مؤسسة «الحق» عملية الهدم بـ20 آذار/مارس. وذكرت «لانسيت أنكولوجي» أن الجيش الإسرائيلي أبلغ صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأن الموقع كان يُستخدم من قبل عناصر في حماس، لكنه لم يقدّم أدلة على ذلك. ونقلت «فرانس 24» عن الجيش قوله إنه استهدف المستشفى لأن مقاتلين من حماس كانوا ينشطون فيه، وإن تركيا قالت إن القوات الإسرائيلية استخدمت المبنى في مرحلة ما قاعدة عسكرية. واستشهدت الموسوعة العربية لقناة الجزيرة بصور أقمار صناعية تعود إلى الفترة بين تشرين الثاني/نوفمبر 2023 ونيسان/أبريل 2024 تُظهر آليات عسكرية إسرائيلية داخل المجمع.
وأُغلق البديل أيضًا؛ إذ أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بأن مستشفى غزة الأوروبي، وهو المركز الرئيسي لتحويل مرضى الأورام في الجنوب، توقف عن العمل في منتصف أيار/مايو 2024.
أما ما تبقّى فهزيل. فقد جاء في الالتماس المقدَّم إلى المحكمة الإسرائيلية العليا في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أن 75% من أدوية العلاج الكيميائي غير متوفرة في غزة، وأن العلاج المحدود الذي ما زال يُقدَّم يقتصر على ثلاث منشآت طبية، وفق ما أوردته وسيلة الإعلام الإسرائيلية «هَمَكوم».
وكان مسار التحويل التاريخي يمتد إلى القدس الشرقية. فمستشفى المطلع هو المستشفى المتخصص الوحيد بعلاج السرطان في فلسطين، ويوفّر خدمات العلاج الإشعاعي والطب النووي غير المتاحة في أي مكان آخر في الضفة الغربية أو غزة، وفق أبحاث منشورة في أرشيف المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، التي سجّلت علاج ما بين 70 و90 مريضًا بالعلاج الكيميائي يوميًا فيه قبل جائحة كوفيد-19. ويقول الاتحاد اللوثري العالمي، المالك للمستشفى، إن نحو 40% من مرضاه كانوا يأتون من غزة.
غير أن هذا المسار مغلق. فقد تقدّمت خمس منظمات حقوقية إسرائيلية، هي «أطباء لحقوق الإنسان-إسرائيل» و«چيشاه» و«همؤكيد» و«عدالة» و«جمعية حقوق المواطن في إسرائيل»، بالتماس إلى المحكمة العليا في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لإلزام إسرائيل باستئناف عمليات الإجلاء إلى مستشفيات الضفة الغربية والقدس الشرقية، مؤكدة أن نحو 16500 من سكان غزة معرضون لخطر الموت، بحسب «چيشاه».
وفي 12 كانون الثاني/يناير 2026، أفادت صحيفة «هآرتس» بأن محكمة القدس المركزية نقضت اعتراضات وزير الحرب يسرائيل كاتس والجيش، وسمحت لمواطن من غزة يبلغ 48 عامًا بالسفر إلى نابلس لتلقّي العلاج، وقضى القاضي بأن حالته تستدعي رعاية عاجلة منقذة للحياة، ورفض تجميد القرار. ووصفت «هآرتس» الترتيب بأنه ضيق وقليل الجدوى العملية بالنسبة إلى الآلاف المنتظرين.
وبعد أسابيع، في 9 شباط/فبراير، قالت «چيشاه» إن القاضي رام فينوغراد من المحكمة ذاتها ردّ التماسًا يخص طفلًا في الخامسة مصابًا بالسرطان يقيم في الضفة الغربية لكنه مسجَّل بوصفه من سكان غزة. وأضافت المنظمة أن الدولة أبلغت المحكمة بأن وزير الحرب قرّر شخصيًا رفض المرور بحجة أن سكان غزة ممنوعون من دخول إسرائيل لأي غرض، ودفعت بأن على العائلة البحث عن دولة ثالثة عبر معبر اللنبي، رغم أن أطباء الطفل قالوا إن رحلة كهذه قد تعرّض حياته للخطر. وأفادت «چيشاه» لاحقًا بأن المحكمة العليا قبلت استئنافها وسمحت بعلاج الطفل.
وفي 15 شباط/فبراير، أفادت «هآرتس» بأن 32 طبيبًا إسرائيليًا بارزًا، بينهم مديرو مستشفيات حاليون وسابقون ومدير عام سابق لوزارة الصحة، طلبوا الانضمام إلى الالتماس المقدَّم إلى المحكمة العليا.
وتتمثل توصيات منظمة الصحة العالمية المنشورة في زيادة عدد الدول التي تستقبل المرضى، وإعادة فتح الممر الطبي إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، وتوسيع الممرات عبر مصر والأردن. وجاء في مراسلة نُشرت في مجلة «لانسيت غلوبال هيلث» في آذار/مارس 2026 أن شبكة مستشفيات القدس الشرقية جاهزة لاستقبال المرضى، وأن مستشفى المطلع قادر على استقبال 50 مريض أورام جديدًا يوميًا.
وأفادت قناة الجزيرة في 11 حزيران/يونيو بأن أكثر من 60 عضوًا في الكونغرس الأمريكي طالبوا إسرائيل برفع القيود التي تمنع مرضى السرطان في غزة من الوصول إلى مستشفيات الضفة الغربية والقدس الشرقية، وبأن منظمة الصحة العالمية علّقت عمليات الإجلاء إلى مصر في نيسان/أبريل بعد أن قتلت القوات الإسرائيلية بالرصاص متعاقدًا طبيًا.
أما الوفيات في طابور الانتظار فتُحصيها وزارة الصحة. وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، استنادًا إلى تلك الأرقام، إن 1092 مريضًا توفوا وهم بانتظار الإجلاء بين تموز/يوليو 2024 و28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فيما حذّرت المنظمة من أن العدد الحقيقي أعلى على الأرجح لأن القوائم تتغيّر والمعاملات تتعثر.
ويبقى قرار إعادة فتح الممر بيد المحكمة العليا. وكتبت تيرتسا ليبوفيتش، نائبة مدير البرامج في منظمة «أطباء لحقوق الإنسان-إسرائيل»، في موقع «مكوميت» في شباط/فبراير، أن الالتماس يسير ببطء شديد. ولم يُعلن حتى الآن أي قرار بشأنه.

