أبحاث وتحقيقات
الإمارات تعيد محمد دحلان إلى غزة عبر قناة كوشنر
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
حين أعلن محمد دحلان السبت أن جاريد كوشنر أكّد له شخصياً أن اعتداءات إسرائيل على غزة ستتوقف صباح اليوم التالي، لم يكن أكثر ما يلفت في الخبر هو الوعد، بل حامله. فالرجل الذي ينقل كلام صهر الرئيس الأميركي لا يشغل منصباً في السلطة الفلسطينية، ولا مقعداً في منظمة التحرير، ولا موقعاً في أي حكومة. طُرد من فتح قبل خمسة عشر عاماً، وأدانته محاكم فلسطينية غيابياً، ولم تطأ قدمه غزة — المكان الذي صنعه — منذ 2007. ومع ذلك، حين احتاج «مجلس السلام» توقيعَ حماس على أخطر وثيقة فلسطينية في العقد، مرّت القناة التي أوصلته من مكتب في أبوظبي. هذه رواية، من السجلّ، لكيف وصلنا إلى هنا — ولماذا صار الطريق من واشنطن إلى غزة يمرّ بالإمارات.
الاختراق والرجل الذي نُسب إليه#
تسلسل الأسبوع الماضي موثّق بتفصيل نادر. فيوم الخميس قبلت حماس رسمياً إطارَ «مجلس السلام» لنزع السلاح — المرة الأولى التي تلتزم فيها الحركة كتابةً بالتخلي عن سلاحها مقابل انسحاب إسرائيلي مرحلي، ضمن وثيقة البنود الخمسة عشر المستندة إلى قرار مجلس الأمن 2803. ونقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، عن مساعد لدحلان، أن الاختراق جاء عبر اتصالات مباشرة أجراها دحلان مع كوشنر ومع مبعوث المجلس إلى غزة نيكولاي ملادينوف ومع من وصفه المساعد بـ«الفريق الأميركي بأكمله» — وأن كوشنر على اتصال دائم بدحلان في ملف غزة منذ عام كامل. ولاحظت «هآرتس» أن تفاصيل الخطة ظهرت أولاً على شبكة تلفزيونية مصرية مرتبطة بدحلان، قبل ساعات من أي إعلان رسمي. والسبت وافقت الفصائل على الوثيقة كاملة، فنشر دحلان الرسالة التي غطّتها هذه الصحيفة: كوشنر أكّد وقف الاعتداءات من صباح الأحد. أما إسرائيل فلم تلتزم علناً بجدول الانسحاب؛ إذ قال مسؤول إسرائيلي كبير للصحافيين إن عرض نزع السلاح غير كافٍ، فيما حذّر الرئيس ترامب من أنه سيكون «مستاءً جداً» إذا عرقلت إسرائيل الخطة. الوعد واختباره باتا في السجلّ جنباً إلى جنب.
ابن غزة#
كل ما يجعل دحلان نافعاً يبدأ من سيرته. وُلد عام 1961 في مخيم خان يونس لعائلة هُجّرت من حمامة عام 1948، وأسّس في العشرين حركةَ «الشبيبة» الفتحاوية، واعتقلته إسرائيل مراراً — فأتقن العبرية في سجونها — ثم أبعدته عام 1988. عاد مع جيل أوسلو عام 1994 ليبني ويقود جهاز الأمن الوقائي في غزة، الذي بلغ في ذروته نحو عشرين ألف رجل وكان أقرب ما تملكه السلطة الفتية إلى دولة داخل دولة. ذلك الجهاز جعله في آن واحد رجلَ واشنطن الذي لا غنى عنه وخصمَ الداخل السيّئ الذكر: فحملته عام 1996 من الاعتقالات الواسعة ضد حماس ما زالت الحركة تذكرها حتى اليوم، ووثّقت منظمات حقوقية في تلك الحقبة تعذيباً في مقارّه — سجلّ لم تدعه حماس يفلت منه يوماً، ويجادل حلفاؤه بأنه يعود إلى عمر سياسي آخر. وفي 2007، بعد فوز حماس بانتخابات 2006 وتحرك المجتمع الدولي لعزل نتيجتها، انتهت المواجهة المسلحة بأن حسمت حماس غزة وطردت القوى الأمنية المحسوبة عليه. وانهارت معها خطة أميركية لتسليح فتح ضد حماس كشفت تفاصيلها حينها مجلة «فانيتي فير». لم يعد دحلان إلى القطاع منذئذ.
القطيعة مع رام الله#
منفاه الثاني صنعته يد فلسطينية. فبعدما عُدّ يوماً خليفةً محتملاً لمحمود عباس، طُرد من فتح عام 2011 إثر قطيعة علنية مدوّية مع الرئيس، ثم أدانته محاكم السلطة غيابياً — في قضية قدح عام 2014 وقضية فساد عام 2016 — وهي أحكام لطالما وصفها بأنها تصفية حسابات سياسية، مشيراً إلى أنها لم تأتِ إلا بعد الانشقاق. وذهب عباس أبعد، فاتهمه علناً بضلوع في وفاة ياسر عرفات، وهو اتهام ينفيه دحلان قطعاً ولم يثبته أي تحقيق. وأياً كانت الحقيقة، فالأثر العملي لا خلاف عليه: مؤسسات السلطة ودحلان في حرب منذ خمسة عشر عاماً، ولهذا بالضبط تجري عودتُه إلى مركز الدبلوماسية الفلسطينية من حول تلك المؤسسات لا من خلالها.
العشرية الإماراتية#
قاده المنفى إلى الإمارات، حيث صار مستشاراً مقرّباً من محمد بن زايد — وبحسب تقديرات تمتد من ملف «فرانس 24» إلى تقييم مركز المعلومات الإسرائيلي «ITIC»، صاحبَ أثر لا في الملف الفلسطيني الإماراتي وحده بل في سياسة أبوظبي الإقليمية: دعمُ القيادة المصرية بعد 2013، وتوثيقُ الصلة ببلغراد التي منحته جنسيتها، والعملُ على خطوط أزمات الإقليم لحساب أبوظبي. وخلال حرب غزة، استدارت تلك الآلة نحو مسقط رأسه: فتقارير من أطياف متباعدة — من رواية «الاستقلال» الناقدة إلى تحليل «جيروزاليم بوست» لتقرير «وول ستريت جورنال» — تصف دحلان مديراً لعمليات الإمارات الإنسانية في غزة، من قوافل الإغاثة إلى الخيام والمستشفيات الميدانية التي أبقت اسمه حياً في القطاع، وأعادت — كما يقول منتقدوه — تأهيله. وطوال ذلك حافظ «تيار الإصلاح الديمقراطي» بقيادته على كوادر منظمة داخل شبكات فتح الغزّية. أما وصفته المعلنة منذ شتاء الحرب الأول فثابتة: قيادة فلسطينية جديدة مستقلة — لا سلطةُ عباس بتكوينها الحالي ولا حماس — تعيد بناء غزة في حماية قوة عربية. وحين تواترت تقارير، من «ميدل إيست مونيتور» إلى إعلام إسرائيلي، عن أنه مطروح لدور في اليوم التالي، نفى دحلان سعيه إلى أي منصب أمني أو حكومي أو تنفيذي مؤكداً أن عمله إنساني. النفي في السجلّ؛ وفي السجلّ أيضاً أن هندسة وثيقة البنود الخمسة عشر — سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد في حماية عربية ودولية — أشبه بوصفته منها بوصفة أي طرف آخر.
لماذا يتصل كوشنر: جواب المال#
لماذا يستشير مهندسُ الخطة الأميركية منفياً بلا دولة؟ يشير السجلّ إلى جواب من ثلاثة أجزاء، أولها مالي. فإعمار غزة — الذي تقدّره وكالات دولية بأكثر من خمسين مليار دولار — سيدفع الخليجُ كلفته الأكبر إن دُفعت، والإمارات مرشّحة لأن تكون ممولاً رئيسياً وركناً في ترتيبات التثبيت بموجب القرار 2803. وعلاقة كوشنر نفسه بأبوظبي ليست دبلوماسية فحسب: فشركته «أفينيتي بارتنرز» تأسست بملياري دولار من الصندوق السيادي السعودي، وتلقّت — كما أفادت «بلومبرغ» — 1.5 مليار إضافية في ديسمبر/كانون الأول 2024 من جهاز قطر للاستثمار ومن «لونيت»، مدير الأصول الأبوظبي المدعوم من الصندوق السيادي ADQ والخاضع لإشراف الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق الرئيس. وقد وضع تحقيق لجنة المالية في مجلس الشيوخ برئاسة السيناتور رون وايدن رقماً على البنية: تسعة وتسعون بالمئة من مليارات «أفينيتي» أموال أجنبية، سياديةٌ خليجية في أغلبها الساحق. لا شيء من هذا سرّي ولا شيء منه مخالف للقانون؛ ويقول المدافعون عن كوشنر إن علاقات حقبة «الاتفاقات الإبراهيمية» هي بالضبط ما يمكّنه من الإنجاز. لكنه يعني أن من يرسم مستقبل غزة والدولةَ المنتظر أن تموّله تربطهما صلات تجارية إلى جانب الاستراتيجية — ودحلان هو أداة تلك الدولة الفلسطينية. فحين يحتاج كوشنر مالَ أبوظبي منحازاً إلى خطته، وتحتاج أبوظبي فلسطينياً يحمل خطتها ويستطيع الإنجاز، تبني القناةُ نفسها بنفسها.
الجزءان الآخران: الشبكات والنفوذ#
الجزء الثاني عملياتي. يحتفظ دحلان بما لا تملكه رام الله ولا واشنطن: شبكات حيّة داخل غزة — كوادر تياره، وعلاقات العائلات، وخطوط توزيع الإغاثة التي بُنيت في الحرب — وتهادُنٌ عملي مع حماس نفسها يعود إلى قرار الحركة أواخر العشرية الماضية السماحَ لأعماله الخيرية بدخول القطاع موازنةً لعقوبات رام الله. الرجل الذي طردته حماس عام 2007 صار، مع نهاية الحرب، من قلّة الفلسطينيين الذين يقبل مفاوضوها التعامل معهم وهو مقبول في الوقت ذاته في أبوظبي والقاهرة وواشنطن. والجزء الثالث نفوذ لدى الطرف الوحيد الذي لا يملك الأميركيون استدعاءه: مصر التي تمسك بوابة رفح واستضافت كل جولات الحوار الفصائلي، وعلاقة دحلان بقيادتها — التي وقف معها علناً في لحظة حاجتها القصوى عام 2013 — من أقدم أصوله. المال والشبكات والنفوذ: المثلث في غرافيك افتتاحية هذا التقرير ليس استعارة بل نظام تشغيل.
ما يعنيه ذلك.. وما لا يعنيه بعد#
تقتضي الدقة قولَ ما لا يُظهره السجلّ. فهو لا يُظهر أن دحلان يشغل منصباً أو وُعد به؛ هو ينفي السعي إلى أي منصب، والوثيقة تُسند الحكم إلى لجنة وطنية تكنوقراطية لا إلى زعيم فصيل. ولا يُظهر أن الجمهور الفلسطيني حوّل إغاثةَ الحرب شرعيةً سياسية: فالاستطلاعات عبر سنوات الحرب وضعته باستمرار خلف مروان البرغوثي بمسافة بعيدة، بل خلف قادةٍ يقول الفلسطينيون إنهم يريدون استبدالهم، وقاعدةٌ بُنيت على خيام إماراتية ليست تفويضاً بعد. ولا يُظهر أن إسرائيل قبلت الصفقة التي أنتجتها قناته — فبنود الانسحاب ما زالت حتى نهاية هذا الأسبوع بلا قبول في القدس، حتى مع الوعد بصمت البنادق. أما ما يُظهره السجلّ فأضيق من ذلك وأشدّ دلالة: في الساعة الحاسمة من دبلوماسية الحرب، مرّت الرسائل التي تَصنع الفرق عبر ابن لاجئين من خان يونس نبذته كل مؤسسة فلسطينية — لأنه يحوز ثقة العاصمة الوحيدة التي يحتاج الجميع مالَها، والأميركيِّ الوحيد الذي تمسك عائلته بالخطة. أما هل تعيد هذه القناة بناء غزة أم تعيد فقط ترتيبَ من يُسأل عنها، فذلك هو الفصل التالي، وهذه الصحيفة ستغطيه بنداً بنداً.



