اقتصاد وإغاثة
شركات فلسطين الكبرى تسجّل تعافياً بعد أسوأ أعوام الحرب
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
الأرقام التي تصف الشركات الفلسطينية عام 2026 لا يفترض، بمنطق أي كتاب اقتصاد، أن تجتمع. سجّل البنك الدولي انهياراً بنسبة 83 بالمئة في اقتصاد غزة عام 2024، وتعافياً جزئياً بطيئاً في الضفة الغربية عام 2025؛ وبلغت البطالة 69 بالمئة في غزة و29 بالمئة في الضفة. ومع ذلك ما زالت 47 شركة تتداول أسهمها في بورصة فلسطين بقيمة سوقية مجمّعة تتجاوز 3 مليارات دولار، وحقّق القطاع المصرفي 46 مليون دولار من الأرباح في النصف الأول من 2025 — بقفزة تقارب خمسة أضعاف الفترة نفسها من العام السابق، بحسب ما نقلته وكالة صدى نيوز عن إفصاحات البورصة — وأغلقت كبريات الشركات دفاترها ودفعت رواتب موظفيها وأبقت شبكاتها تعمل خلال الفترة الأكثر تدميراً في تاريخها. هذه جولة في الميزانيات التي تحمل الاقتصاد الفلسطيني.
مجموعة الاتصالات «بالتل».. مرساة السوق#
شركة الاتصالات الفلسطينية هي الحجر الأثقل في القوس: يقدّر ملف للمنتدى الاقتصادي العالمي وزنها بنحو 31 بالمئة من رسملة البورصة بأكملها، وتقترب قيمتها السوقية البالغة 688 مليون دينار أردني من مليار دولار أميركي. أعلنت المجموعة إيرادات بلغت 241 مليون دينار عام 2024، نزولاً من 280 مليوناً قبل عام، مع ربح صافٍ قدره 41.8 مليون دينار — بتراجع يقل عن 4 بالمئة في عام كانت شبكتها في غزة تُدمَّر مادياً خلاله. وقالت الشركة للسوق إنها أبقت أكثر من مليوني إنسان في غزة على اتصال، بينما قدّمت مجاناً مئات الملايين من الدقائق والرسائل والغيغابايتات. وما زال ثنائيا «جوّال» و«أوريدو فلسطين» يواجهان، كما تفيد الشركتان، منافسة مشغّلين إسرائيليين يبثّون من المستوطنات دون ترخيص فلسطيني.
بنك فلسطين.. ميزانية وطن#
بأصول للمجموعة تقارب 8 مليارات دولار، بنك فلسطين هو أكبر مؤسسة مالية في البلاد ومن أكبر أرباب العمل في قطاعها الخاص. سعّرت الحرب نفسها مباشرة في دفاتره: خسارة صافية قدرها 27.9 مليون دولار عام 2024، دفعتها مخصّصات لغزة شملت أوراقاً نقدية فُقدت فعلياً في فروع مدمّرة — بند لم تسجّله إلا قلة من مصارف العالم. ثم عادت المجموعة إلى الربح في 2025 مع بقية القطاع. تأسّس البنك في غزة عام 1960 لتمويل مزارعي الحمضيات، وهو يدير اليوم أوسع شبكة فروع في البلاد ويقود، مع سلطة النقد، جهود رقمنة المدفوعات في اقتصاد يغرق في نقد لا تقبله المصارف.
«باديكو» القابضة.. المؤشر في سهم واحد#
شركة فلسطين للتنمية والاستثمار هي أقرب أداة لشراء الاقتصاد الفلسطيني دفعة واحدة: حصص في الاتصالات والعقارات والسياحة والزراعة والصناعة، وقيمة سوقية تقارب 500 مليون دولار تجعلها أكبر شركة مدرجة بعد «بالتل» — وهي نفسها من شركات «باديكو». أعلنت القابضة عودة إلى الربح عام 2024 — 0.7 مليون دولار عائدة للمساهمين مقابل خسارة 11.6 مليون دولار عام 2023 — حتى بعد تسجيل حصتها البالغة 12.4 مليون دولار من مخصّصات أصول شركاتها المتضررة في غزة. وبلغت الأصول الموحّدة 723 مليون دولار. أسّسها منيب المصري عام 1993 رهاناً اقتصادياً على أوسلو، وما زالت «باديكو» اختبار ما إذا كان الرأسمال الفلسطيني المتنوّع قادراً على النموّ المركّب عبر الأزمات.
«أيبك».. خط إمداد بمليار دولار#
الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار هي أكبر شركة فلسطينية لا يلحظها معظم المستهلكين، لأن عملها هو الرفّ نفسه: توزيع حصري لعلامات استهلاكية ودوائية عالمية، وتصنيع عبر علامة اللحوم المقدسية المولد «سنيورة». أعلن رئيس مجلس الإدارة طارق عقّاد إيرادات بلغت 1.12 مليار دولار عام 2024، بتراجع 6 بالمئة، مع أرباح تشغيلية قبل الاستهلاك والفوائد والضرائب بلغت 68 مليون دولار وربح صافٍ عائد للمساهمين قدره 9 ملايين دولار — ضغطت عليه، كما قالت الشركة، كلف اللوجستيات وأسعار التمويل في اقتصاد حرب. وشاحناتها التي تبلغ رفوف الأسواق هي، عملياً، استفتاء يومي على أن التجارة ما زالت تعمل.
«أوريدو فلسطين».. شبكة المنافسة#
المشغّل الخلوي الثاني، الذي أطلق خدماته في الضفة أواخر 2009 بعد سنوات من تعطيل الترددات، يحمل قيمة سوقية تقارب 264 مليون دولار وإسناد مجموعة «أوريدو» الخليجية. منافسته مع «جوّال» منحت الفلسطينيين أسعاراً هابطة، ومن عام 2027 وفق الخطط الحالية، شبكة جيل رابع انتظرها القطاع عقداً كاملاً — بينما تنتظر شبكة غزة إعادة بناء من تحت الركام.
البنك الإسلامي الفلسطيني.. تمويل الشريعة على نطاق واسع#
أكبر مصارف التمويل الإسلامي يجسّد كلفة الحرب وصلابة القطاع معاً: انقلبت عوائده إلى السالب عام 2024 تحت مخصّصات غزة، ثم نمت أصوله أكثر من 11 بالمئة عام 2025 مع عودة الودائع. وبإيرادات سنوية تقارب 64 مليون دولار ونسبة كلفة إلى دخل خفضها البنك من 41 إلى 31 بالمئة عبر الرقمنة، يقدّم قصة الكفاءة الهادئة في المال الفلسطيني، في سوق يواصل فيه التمويل الإسلامي كسب الحصص.
بيرزيت للأدوية.. خزانة الدواء#
كبرى شركات الدواء الفلسطينية تنتج نحو 270 مستحضراً عبر 16 خط إنتاج في أربعة مواقع، وتصدّر إلى أوروبا الشرقية، وترسو عليها صناعة دوائية أبقت صيدليات الضفة ممتلئة خلال إغلاقات أوقفت كل شيء تقريباً سواها. يديرها رئيس مجلس إدارتها طلال ناصر الدين منذ 1974؛ وتكمل نظيرتاها المدرجتان، القدس للمستحضرات الطبية ودار الشفاء «بيت جالا»، صناعةً يعدّها الفلسطينيون من أدعى مصادر فخرهم.
شركة المشروبات الوطنية.. الامتياز الذي بقي#
شركة زاهي خوري الخاصة، صاحبة امتياز «كوكاكولا»، تدير أربعة مصانع تعبئة وأربعة مراكز توزيع، بينها مصنع غزة الذي افتُتح عام 2016 بكلفة 20 مليون دولار — أصلٌ يختصر مصيره كلفة الحرب على الصناعة الخاصة في القطاع. وصفتها «فوربس» بأنها من أكبر أرباب العمل والمستثمرين الفلسطينيين في القطاع الخاص، وتعهّدت الشركة علناً بأن تكون جزءاً من اقتصاد إعمار غزة.
اتحاد المقاولين «CCC».. العملاق في الخارج#
أكبر شركة فلسطينية لا تتداول أسهمها في رام الله ولا تعمل أساساً في فلسطين: شركة اتحاد المقاولين، التي أسّسها لاجئون فلسطينيون عام 1952 ومقرّها أثينا، أعلنت إيرادات بلغت 2.3 مليار دولار عام 2023، وتحتل موقعاً بين كبار المقاولين الدوليين في العالم، وتشغّل قوة عاملة يتحدّر كثيرها من الشتات الذي ساهمت هي في صناعته. وقد وجّهت عائلتا الصباغ وخوري المؤسِّستان عقوداً من أرباح البناء إلى مستشفيات وجامعات ومؤسسات فلسطينية.
صندوق الاستثمار الفلسطيني.. محفظة الدولة#
يدير الصندوق السيادي أصولاً تقارب مليار دولار — 960.7 مليوناً في آخر حساب مفصّل — ويستثمر 90 بالمئة منها محلياً عبر أذرع تغطي العقارات والطاقة والزراعة والتكنولوجيا، بحسب المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية. وهو المحرّك المفترض لتمويل الإعمار، وانضباط حوكمته — التي يواصل ائتلاف النزاهة «أمان» الضغط بشأن قواعد تضارب المصالح فيها — سيحدّد مدى قدرة المال العام على جذب المال الخاص إلى إعادة البناء.
التعافي الذي تصفه هذه الميزانيات حقيقي ومنقوص جذرياً في آن. فهو يقوم على ارتداد الضفة الغربية صعوداً، بينما تنتظر غزة — التي كانت 17 بالمئة من الاقتصاد الفلسطيني قبل الحرب وباتت أقل من 3 بالمئة منه بقياس البنك الدولي — انطلاق الإعمار. أما ما تثبته حسابات 2024 و2025 فأضيق من ذلك لكنه ليس صغيراً: البنية المؤسسية لشركات دولة فلسطينية — مصارفها وشبكاتها ومصانعها وصندوقها — تلقّت أسوأ عام في السجلّ، وأغلقت دفاترها وهي ما زالت موسِرة، وما زالت مدرجة، وما زالت توظّف.