الشتات الفلسطيني
فرقة دبكة أمريكية تجمع تبرعات لأطفال التوحد بالضفة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
قدّمت فرقة رقص للأطفال في ضواحي مدينة سانت لويس الأمريكية، يوم السبت، عرضاً مسرحياً للدبكة الفلسطينية استمر ساعتين، بهدف تمويل خدمات تشخيص التوحد وتدريب الأهل والعلاج في الضفة الغربية، وهي خدمات تقول الجمعية المستفيدة من العائدات إنّ الحكومة الفلسطينية لا توفرها على الإطلاق.
وأفادت إذاعة «سانت لويس العامة» بأنّ العرض، الذي يحمل عنوان «جفرا»، أقيم بين الرابعة والسادسة مساء الأول من آب/أغسطس في مركز بيرسر بجامعة لوغان، على العنوان 1851 شوتلر رود في تشيسترفيلد بولاية ميسوري، مشيرة إلى أنّ حصيلته تذهب لدعم الأطفال المصابين بالتوحد وعائلاتهم في الضفة الغربية عبر جمعية «أوتيزم سوبر هيرو فلسطين» غير الربحية. ووصفت الإذاعة العمل بأنه استكشاف لأنماط الدبكة في مناطق مختلفة، وهي تقليد شامي مدرج على قوائم اليونسكو، أرجعت الإذاعة أصله إلى ممارسة سنوية لرصف الأسطح كان أهل القرى يدكّون فيها الطين بأقدامهم بشكل متزامن لإحكام إغلاق منازلهم قبل حلول الشتاء.
أما الادعاء الذي تقوم عليه حملة التبرعات، فهو ثغرة في السجل الرسمي نفسه. فعلى صفحتها الخيرية على منصة «غو فند مي»، تقول جمعية «أوتيزم سوبر هيرو فلسطين» إنه لا توجد إحصاءات رسمية في فلسطين لعدد الأطفال المشخّصين بالتوحد، وإنّ البنية الحكومية اللازمة لتوفير الموارد والخدمات «غير موجودة»، ما يترك نقصاً في مراكز التوحد الشاملة وفي الاختصاصيين، ومنهم المشخّصون والمعالجون.
وتتسق الإحصاءات الفلسطينية المنشورة مع غياب أي تعداد لهذه الفئة، إذ أوردَ الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في مناسبة اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة في كانون الأول/ديسمبر 2023، أنّ نسبة الإعاقة بين البالغين من عمر 18 عاماً وأكثر تبلغ 3 بالمئة، بواقع 2.6 بالمئة في الضفة الغربية و3.9 بالمئة في قطاع غزة. وفي بيان منفصل، يعرض الجهاز الانتشار بحسب نوع الإعاقة لا بحسب التشخيص، فتصيب إعاقة الحركة 48.4 بالمئة من الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين، وإعاقة التعلّم 24.7 بالمئة، و23.6 بالمئة في الضفة الغربية. ولا يورد أيّ من البيانين رقماً خاصاً بالتوحد.
ووثّق الجهاز كذلك ما يحدث بعد التشخيص، إذ أوردَ في إحدى منشوراته أنّ أكثر من ثلث الأشخاص ذوي الإعاقة من عمر ثلاث سنوات وأكثر لم يلتحقوا بالتعليم قط، وأنّ 9 بالمئة فقط من النساء ذوات الإعاقة في سنّ العمل في فلسطين ناشطات اقتصادياً، مع بطالة نحو نصف هؤلاء.
وحيث تتوافر الخدمات، فإنها في معظمها خيرية وغير مخصصة للتوحد. وتقول جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إنها تدير سبعة مراكز نهارية في الضفة الغربية، في جنين وطوباس ونابلس وعنبتا وأريحا والخليل وترقوميا، لأطفال ذوي الإعاقة الذهنية من عمر أربع سنوات إلى ستّ عشرة سنة، إلى جانب مراكز في خان يونس ورفح وجباليا في قطاع غزة، مع برنامج تأهيل ما قبل مهني بعد سنّ السادسة عشرة. أما مؤسسة «جذور» الصحية، فتقول في وصفها لمشروع لبناء القدرات إنها قيّمت 11 جمعية في الضفة الغربية تعمل في مجال إعاقات النطق والسمع، من حيث الاحتياجات الإدارية والفنية والبنية التحتية، قبل أن تحصر شراكتها بخمس منها.
وتقول مؤسسة «تضامن»، التي دعمت العمل في مجال التوحد في فلسطين، إنّ الأطفال المصابين بالتوحد في الضفة الغربية يواجهون محدودية في الوصول إلى خدمات علاج وتأهيل ميسورة التكلفة، سواء من مقدمي الخدمات الحكوميين أو غير الربحيين. وتقول المنظمة الدنماركية «هيومن آكت»، في وصفها لدعمها جمعية «أوتيزم سوبر هيرو»، إنّ الأهل يجدون صعوبة في العثور على اختصاصيين قادرين على تقديم تشخيص دقيق، ويُوجَّهون إلى مراكز تدّعي توفّرهم لديها، فيدفعون نحو 50 دولاراً لزيارة مدتها 45 دقيقة دون أن يحصلوا على الاهتمام المطلوب.
وتعرض جمعية «أوتيزم سوبر هيرو فلسطين»، وهي مؤسسة مسجلة تحت البند 501(c)(3) وتصف عملها بأنه دعم وتعليم ومناصرة وبرامج مجتمعية في عموم فلسطين، مشكلة الوصول بمعطيات ملموسة. فتقول على موقعها الإلكتروني إنّ خدمات التوحد المهنية متاحة في القدس، غير أنّ كثيراً من عائلات الضفة الغربية لا تستطيع الوصول إليها لأنّ قيود الحركة الإسرائيلية تمنعها في الغالب من الحصول على تصاريح أو من السفر إلى المدينة، وإنّ العائلات تتحفّظ أيضاً على قطع مسافات طويلة داخل الضفة الغربية بسبب عنف المستوطنين على طرق معينة. وتضيف أنّ مراكز العلاج في الضفة الغربية تطالب عادة بالدفع المسبق مقابل خدمات مكلفة وذات جودة محدودة، وأنّ كثيراً من العائلات لا تقدر إلا على جلسة واحدة أسبوعياً، وهو ما تصفه بأنه نادراً ما يكفي لتلبية الاحتياجات التطورية للطفل. ولم يظهر في المواد المتاحة أي رد من الحكومة الإسرائيلية على هذه المزاعم بعينها.
وتتباين الروايات حول تأسيس الجمعية نفسها؛ فصفحتها على منصة «لانش غود» تقول إنّ ثلاث أمهات أنشأن صفحة على فيسبوك في 3 كانون الثاني/يناير 2019 للحديث عن واقع الأطفال المصابين بالتوحد في فلسطين، وتصف المجموعة بأنها قائمة في ميسوري، في حين تقول «هيومن آكت» إنّ أربع أمهات لأطفال مصابين بالتوحد هنّ من أسّسنها، أما الصفحة الخيرية على «غو فند مي» فمكتوبة بصوت إحدى المؤسسات التي تقول إنها بدأت الجمعية قبل ثلاث سنوات وإنها تخدم اليوم 350 عائلة عبر فئتين من البرامج هما التعليم والخدمات المباشرة. وتذكر إذاعة «سانت لويس العامة» أنّ الجمعية تابعة لمدربة الفرقة حنان حامد.
وقالت حامد للإذاعة إنّ المجموعة عملت سابقاً في قطاع غزة لكنها فقدت معظم العائلات التي كانت تخدمها هناك، وإنها تدرك ما تواجهه عائلات الضفة الغربية لأنها غير قادرة على الحصول على خدمات العلاج.
أما الفرقة نفسها فعمرها عامان، إذ أفادت إذاعة «سانت لويس العامة» بأنّ حامد أسّستها عام 2024 بمساعدة ليا كوستيرر، الشريكة المؤسِّسة لمنظمة التبادل الثقافي «أصدقاء بيت لحم في سانت لويس»، وأنّ العرض الأول من «جفرا» في 10 كانون الثاني/يناير كان أول عرض مسرحي للدبكة من نوعه في المدينة. وكان عرض السبت هو الثاني من البرنامج ذاته، وهو مبني على 14 رقصة وصفتها حامد بأنها منهاج حيّ في التاريخ والفولكلور الفلسطيني.
ويشكّل تأمين خشبة المسرح فصلاً من القصة، فقد قالت حامد لإذاعة «سانت لويس العامة» إنّ الحصول على قاعات كان صعباً، ونقلت عن مضيفين قولهم إنهم لا يريدون أي شيء مثير للجدل ولا تغطية صحفية ولا مشكلات، وهو ما وصفته بأنه محو لمجموعة من البشر لأنّ ثقافتهم تُقرأ على أنها سياسية. وفي عام 2024، قال معرض سانت لويس للفنون في كلايتون إنّ الفرقة لن تشارك في حدثه السنوي، وذلك جزئياً لخشية المنظمين من أن يوجّه الراقصون رسالة سياسية، في حين قالت عضوات الفرقة إنّ استبعادهنّ جاء لأنّ المنظمين يرون في التعبير عن الثقافة الفلسطينية أمراً مثيراً للجدل.
ولا ينحصر نموذج جمع التبرعات هذا في مدينة واحدة، فقد نشرت مؤسسة «هيل فلسطين» رواية عن عرض دبكة سابق لفرقة «كنعان ويلسبرينغ» في سانت لويس أقيم لدعم عملها، كما أدرج مركز «أثينيوم للفكر والثقافة» في شيكاغو عرض «جفرا» ضمن فعالياته لعام 2026.
أما ما حققته هذه العروض مالياً فليس مدرجاً في السجل العام، إذ لا يظهر في المواد المنشورة للفرقة أو للجمعية أي رقم لعائدات عرضي كانون الثاني/يناير وآب/أغسطس، وتكتفي صفحة التذاكر الخاصة بحدث تشيسترفيلد بالقول إنّ كل العائدات تذهب إلى «كنعان ويلسبرينغ».
كما أنّ الرقم الأساسي لا يزال مجهولاً. وقد أعلنت جامعة القدس عن ورقة علمية ثالثة محكّمة، مستخلصة من بحث لنيل الدكتوراه عن جودة حياة أمهات الأطفال المصابين بالتوحد في الضفة الغربية، نُشرت في دورية «Journal of Autism and Developmental Disorders» وتضمنت توصيات تتعلق بالسياسات، وتقول الجامعة إنّ هذا العمل يهدف إلى توفير أدلة لتطوير الخدمات لهذه الفئة. وإلى أن تُفضي مثل هذه الأدلة إلى تعداد رسمي، يبقى حجم الفئة التي تخدمها حملات التبرع هذه تقديراً تضعه العائلات التي تجمع المال.