الثقافة والفنون
ميثاق مدريد للثقافة الفلسطينية.. اتفاق دولي يمهّد للانتقال إلى التنفيذ
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
أرسى مؤتمر مدريد أساساً دولياً لحماية الثقافة الفلسطينية، بعدما أقرّت 28 حكومة، إلى جانب المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إعلاناً يدعو إلى إنشاء ميثاق يجمع الدعم السياسي والخبرة والتمويل. وبذلك انتقلت حماية التراث والمؤسسات الثقافية والمبدعين الفلسطينيين إلى صدارة اهتمام تحالف دولي واسع.
ويدعو الإعلان، الذي أُقرّ في مدريد في 16 يوليو/تموز وجاء في صفحتين، الدول والمنظمات الدولية والمؤسسات المالية والخيرية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني إلى العمل من أجل «ميثاق دولي لصمود الثقافة الفلسطينية».
الإعلان وثيقة تأسيسية تحدد المبادئ والوجهة، ولا يقدّم بعد برنامجاً تنفيذياً جاهزاً. أما حجم التمويل، والجهة التي ستتلقى الأموال أو توزّعها، وشكل القيادة الفلسطينية، وموعد بدء العمل، ومؤشرات الإنجاز، فهي تفاصيل تركها الموقّعون للمرحلة المقبلة.
ولا ينتقص ذلك من أهمية ما تحقق أو من جدية الالتزام المعلن. فقد جمع المؤتمر 30 وفداً، واتفقت دول من أوروبا والعالم العربي وآسيا وأميركا اللاتينية على أن الثقافة جزء من الاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار وبناء السلام. وتمنح الخسائر الواسعة التي أصابت الحياة الثقافية الفلسطينية هذه المبادرة مهمة عاجلة وواضحة؛ إذ يقدّر تقييم صدر عام 2026، بقيادة البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، احتياجات تعافي التراث الثقافي وإعادة إعماره في غزة والضفة الغربية بنحو 230 مليون دولار.
نجحت مدريد، إذاً، في بناء توافق سياسي واسع. والخطوة التالية هي ترجمته إلى برنامج يقوده الفلسطينيون، ويحظى بتمويل واضح وإدارة شفافة، كي يصل أثره إلى المؤسسات والعاملين في الثقافة والمواقع والمجموعات المهددة.
خلاصة التقرير#
- أرسى مؤتمر مدريد قاعدة واسعة للتعاون. أيدت الإعلان 28 حكومة، بينها فلسطين، إلى جانب المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فيما شارك في المؤتمر 30 وفداً دولياً بحسب التقرير الرسمي.
- حدّد الإعلان الوجهة وترك آلية العمل للمرحلة التالية. وتتمثل الخطوات المقبلة في وضع الميزانية، واختيار الأمانة العامة والهيئة الإدارية، وتحديد الجدول الزمني والأهداف القابلة للقياس.
- الأرقام الموثقة ترسم حجم المهمة. يقدّر تقييم الأضرار والاحتياجات لعام 2026 الأضرار المادية التي لحقت بالتراث الثقافي بنحو 150 مليون دولار، والخسائر الاقتصادية بـ90 مليوناً، واحتياجات التعافي بـ230 مليوناً.
- لكل رقم نطاق مختلف. فحزمة اليونسكو الطارئة البالغة 5.7 مليون دولار تشمل الثقافة والتعليم والإعلام، بينما يخصّ تقدير 230 مليون دولار قطاع التراث الثقافي. لذلك لا يصح التعامل مع الرقمين على أنهما بندان متماثلان.
- وضوح المراحل سيجعل أثر الميثاق قابلاً للمتابعة. فالقيادة الفلسطينية، وخطة التمويل، وهيكل الإدارة، وترتيب الأولويات، والتقارير العلنية، هي العناصر التي تنقل الاتفاق من المبادئ إلى العمل.
وضع مؤتمر مدريد إطاراً مشتركاً، وتأتي بعده خطة التمويل والهيئة الإدارية والجدول الزمني والأهداف القابلة للقياس. أرقام الاحتياجات والأضرار مأخوذة من تقييم عام 2026 ومن سجل اليونسكو. رسم: تايمز أوف فلسطين.
ما الذي أقرّه إعلان مدريد؟#
ينطلق الإعلان من ثلاثة مبادئ. أولها أن تكون الثقافة ركناً أساسياً في الاستجابة الإنسانية والتعافي وإعادة الإعمار وبناء السلام. وثانيها أن تشمل الحماية المؤسسات والعاملين في الثقافة وتنوّع أشكال التعبير، وألا تقتصر على المعالم. أما المبدأ الثالث فيعدّ إعادة البناء الثقافي ضرورة لاستعادة الهوية وتعزيز الصمود ووضع أسس السلام.
وبناء على هذه المبادئ، يدعو النص إلى ميثاق دولي يحمي الحياة الثقافية وينهض بها، ويدعم المؤسسات والتراث والمبدعين، ويجمع الالتزام السياسي والخبرة والموارد.
وتتضح قيمة الخطوة الدبلوماسية في تنوع المشاركين فيها. فبحسب التقرير الرسمي للحكومة الإسبانية عن المؤتمر، وقّعت الإعلان كل من النمسا والجزائر والبحرين وبلجيكا والإمارات ومصر وإسبانيا وفرنسا واليونان وإندونيسيا وإيرلندا وآيسلندا وإيطاليا والأردن والكويت وليبيا ولوكسمبورغ وموريتانيا والمكسيك وباكستان وفلسطين والبرتغال والصومال وسوريا وتونس وتركيا وأوروغواي وفيتنام، إضافة إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
وتجمع هذه القائمة حكومات تتباين في مواقفها الدبلوماسية وأنظمتها الثقافية وقدرتها على التمويل، لكنها التقت على موقف واحد. كما تمنح الميثاق قاعدة أوسع من مبادرة تقودها وزارة أوروبية أو وكالة أممية بمفردها.
ولأن النص إعلان إطاري، فهو لا يُلزم كل حكومة بمساهمة مالية محددة. وسيكون على المشاركين أن يقرروا في المرحلة التالية ما إذا كانوا سيعتمدون جدولاً للتعهدات، أو حداً أدنى للمساهمة، أو صيغة لتقاسم الكلفة. وعليهم أيضاً اختيار الجهة التي تقود العمل، وتحديد ما إذا كان الميثاق سيتخذ شكل كيان قانوني، أو منصة لتنسيق المانحين، أو برنامج لدى اليونسكو، أو شبكة تديرها وزارة الثقافة الفلسطينية.
وبذلك يمنح الإعلان المشاركين تفويضاً سياسياً واتجاهاً مشتركاً لبناء آلية العمل.
احتياجات ثقافية بمئات الملايين#
يكشف أحدث تقدير شامل عن حجم المهمة التي ينتظر أن ينهض بها الميثاق.
فقد قدّر التقييم السريع للأضرار والاحتياجات، الصادر في أبريل/نيسان 2026 ضمن عمل مشترك للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، الأضرار المادية في قطاع التراث الثقافي بنحو 150 مليون دولار. كما قدّر الخسائر الاقتصادية بـ90 مليوناً، واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار بـ230 مليوناً.
ولا تعبّر هذه الأرقام عن الشيء نفسه. فالأضرار هي القيمة المقدرة للأصول المادية التي دُمّرت أو تضررت، بينما تقيس الخسائر النشاط والتدفقات الاقتصادية التي توقفت. أما الاحتياجات فهي تقدير للتمويل اللازم للتعافي وإعادة البناء. ولهذا لا ينتج رقم الاحتياجات من جمع الأضرار والخسائر، لأن كل فئة تقيس جانباً مختلفاً.
ولا يقف التعافي عند ترميم المباني والمعالم. فهو يشمل أيضاً الأرشيفات والمجموعات والخبرات المهنية وأعمال التوثيق والحفظ، فضلاً عن المؤسسات التي تتيح للجمهور الوصول إلى التراث.
وتقدّم قائمة اليونسكو للأضرار، مرتبة بحسب المواقع، صورة أخرى. فحتى 24 مارس/آذار، تحققت المنظمة من تضرر 164 موقعاً ثقافياً منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينها 14 موقعاً دينياً، و128 مبنى ذا قيمة تاريخية أو فنية، وثلاثة مستودعات لممتلكات ثقافية منقولة، وتسعة نصب تذكارية، ومتحفان، وثمانية مواقع أثرية.
وتصف اليونسكو هذه القائمة بأنها تقييم أولي. وقد اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعية وتحليلات معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، إلى جانب معاينات سريعة في المواقع حين يسمح الوصول والوضع الأمني. وعليه، توثّق القائمة أضراراً جرى التحقق منها، لكنها لا تمثل حصراً كاملاً لكل ما لحق بالقطاع الثقافي.
وتضيف البيانات الفلسطينية بُعداً إنسانياً ومؤسسياً إلى صورة الدمار. ففي بيان صدر بمناسبة يوم الثقافة الوطني، أفاد الجهاز المركزي للإحصاء ووزارة الثقافة بمقتل 118 من العاملين في القطاع الثقافي في غزة خلال عام 2024. وقالا إن المراكز الثقافية الـ25 المسجلة لدى الوزارة تعرضت جميعها لدمار كلي أو جزئي، وإن المكتبات العامة والمؤسسية الـ87 تضررت كلها، وإن ثماني دور نشر ومطابع من أصل 15 دُمّرت بالكامل.
ولا يصح دمج الأرقام الفلسطينية وقائمة اليونسكو في حصيلة واحدة، لاختلاف التعريفات والمنهجيات والفترات الزمنية. لكن قراءتها معاً توضح أن التعافي الثقافي لا يتعلق بالحجارة وحدها؛ بل بالبشر وسبل العيش والمجموعات الفنية والعروض والنشر والذاكرة والقدرة على الإبداع.
مبادرات قائمة يمكن البناء عليها#
لا يبدأ ميثاق مدريد من فراغ. فهناك برامج دولية قائمة لحماية الثقافة في غزة، ويمكن الاستفادة من خبرتها عند بناء الميثاق، وإن لم تُجمع المبالغ المنشورة بعد في خطة تمويل موحدة للمبادرة الجديدة.
وقالت اليونسكو في أبريل/نيسان إنها حشدت 5.7 مليون دولار للمساعدات الطارئة، وإنها تسعى إلى جمع 116.5 مليون دولار. وتشمل الحزمة ثلاثة مجالات هي التراث الثقافي والتعليم ودعم الصحافيين والإعلام. وذكرت المنظمة أنها ثبّتت خمسة مواقع تراثية، وأن العمل متواصل في سبعة مواقع أخرى، وأن البرنامج وفّر 1,850 يوم عمل لـ30 عاملاً محلياً.
وتبيّن هذه النتائج أن حماية الثقافة تستطيع الجمع بين أعمال الحفظ وتوفير فرص الرزق. وفي المقابل، ستحتاج ميزانية الميثاق إلى بيان حصة الثقافة من مبلغ 5.7 مليون دولار، لأن الحزمة تشمل التعليم والإعلام أيضاً. كما أن هدف اليونسكو البالغ 116.5 مليون دولار يختلف في نطاقه عن تقدير احتياجات التراث الثقافي البالغ 230 مليوناً.
وكانت إسبانيا قد أعلنت التزامات مالية قبل الاجتماع. فبحسب حكومتها، دفعت وزارة الثقافة 200 ألف يورو إلى صندوق لدى اليونسكو لإعادة إعمار غزة، وتقدّم سنوياً 100 ألف يورو لشبكة «تيخا» التي تدعم العاملين في الثقافة خلال حالات الطوارئ.
ويعرض تقرير المؤتمر هذين المبلغين بوصفهما مساهمتين إسبانيتين قائمتين. لكنه لا يسجل حتى الآن مساهمات مماثلة من جميع الدول الموقعة، ولا يشير إلى إنشاء صندوق مشترك جديد. ومن شأن نشر سجل للمساهمات في المرحلة المقبلة أن يوضح كيف سيبني التحالف الدولي على هذه البداية.
من الإعلان إلى برنامج عمل#
يتطلب الانتقال إلى التنفيذ خمسة قرارات رئيسية. أولها قيادة فلسطينية لترتيب الأولويات. فالميثاق يحتاج إلى آلية معلنة تتيح للمؤسسات العامة والهيئات الثقافية المستقلة والفنانين وأمناء الأرشيف وخبراء الحفظ والمجتمعات المتضررة أن يحددوا ما يجب إنجازه أولاً. ولا تعادل استشارة الفلسطينيين بعد اكتمال تصميم البرنامج مشاركتهم في إدارته منذ البداية.
والقرار الثاني هو خطة تمويل واضحة تميّز بين الأموال المتعهد بها، والمبالغ التي أُودعت فعلاً، وما أُنفق منها. ويساعد نشر الأموال المقيّدة وغير المقيّدة، والتكاليف الإدارية، والشركاء المنفذين، والتوزيع الجغرافي للمنح، على متابعة وصول الدعم إلى المؤسسات المحلية والعاملين والمجموعات المهددة.
أما الثالث فهو اختيار جهة إدارية تخضع للمساءلة. ومن شأن اعتماد قواعد لتضارب المصالح، ومعايير واضحة للمشتريات، ونشر القرارات، وإجراء تدقيق مستقل، وإتاحة تصحيح السجلات، أن يعزّز ثقة الجمهور في الأمانة العامة أو الهيئة التي ستدير الميثاق.
والرابع هو مسار زمني للحماية والتعافي. فتدعيم مبنى مهدد، أو إدارة الركام، أو رقمنة أرشيف معرض للضياع، أعمال عاجلة لا يمكن دائماً تأجيلها إلى حين اكتمال خطة شاملة لإعادة الإعمار. وفي المراحل التالية، تساعد قوائم الجرد وسجلات الملكية والضوابط الأثرية وموافقة المجتمع على حماية الأدلة وضمان بقاء التراث حياً بعد إعادة البناء.
أما القرار الخامس فهو تعهدات يمكن قياسها. ويمكن للوحة بيانات عامة أن تعرض عدد المواقع التي ثُبّتت، والمجموعات التي وُثقت، والعاملين الذين تلقوا الدعم، والمؤسسات التي أعيد فتحها، والمنح التي دُفعت، والأرشيفات التي رُقمنت، والأموال التي صُرفت. وينبغي أن توضح المؤشرات أيضاً من استفاد من الدعم، ومنهم النساء والشباب وذوو الإعاقة والعاملون في الثقافة خارج المدن الكبرى.
ولا تختزل هذه القرارات الثقافة في مشروعات البناء. بل تجعل الجمهور قادراً على معرفة كيف تصل الأموال وصلاحيات القرار إلى الأشخاص والمؤسسات التي أُنشئ الميثاق من أجل حماية حياتها الثقافية.
باب المشاركة ما زال مفتوحاً#
تظهر قائمة الموقّعين اتساع الحضور الدولي، كما تترك مجالاً لانضمام مزيد من الشركاء. فلا ترد ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا واليابان والنرويج والاتحاد الأوروبي ضمن الجهات الموقعة المعلنة، رغم أن بعض هذه الحكومات يموّل بالفعل أعمالاً لليونسكو في غزة أو برامج فلسطينية أخرى.
ولا يعني عدم التوقيع رفض دعم الثقافة الفلسطينية؛ فحضور المؤتمر، وتوقيع الإعلان، وتمويل برنامج منفصل، مسارات مختلفة. ويمكن وضع آلية انضمام ترحّب بالمانحين غير الموقّعين والمؤسسات الخيرية والمتاحف والجامعات ومؤسسات الشتات، وتوضح في الوقت نفسه قواعد المشاركة.
وتبقى المشاركة الفلسطينية الواسعة ضرورية أيضاً. فالعاملون في الثقافة في غزة والضفة الغربية والقدس وإسرائيل والشتات ينتمون إلى مشهد متنوع. ويتحدث الإعلان عن المؤسسات والتراث والمبدعين جميعاً، لذلك ينبغي ألا يُختزل هذا المشهد في وزارة واحدة أو منطقة واحدة أو شبكة مانحين واحدة.
موعد جديد في 2027#
استضافت مدريد الدورة الأولى من المؤتمر الوزاري للثقافة الفلسطينية. وتقول الحكومة الإسبانية إن دولة أخرى يُتوقع أن تستضيف الدورة المقبلة عام 2027، من دون أن يسمي التقرير الرسمي تلك الدولة.
ويمكن للمؤتمر السنوي أن يحافظ على الزخم، فيما يتيح العمل بين دورة وأخرى تسجيل إنجازات عملية. وقبل موعد 2027، سيكون نشر برنامج عمل يتضمن التمثيل الفلسطيني، والأمانة العامة، وجولة التمويل الأولى، ومعايير الدعم العاجل، ومواعيد التقارير المستقلة، مؤشراً مهماً على التقدم.
وقد حقق إعلان مدريد خطوة ضرورية، حين أكد أن حماية الثقافة ليست أمراً جانبياً في مسار التعافي، بل جزء أصيل منه.
أما المرحلة التالية، فهي صعبة لكنها ممكنة، ويمكن قياس ما تحرزه من تقدم. وتملك الحكومات الموقّعة الآن فرصة تحديد طريقة عمل الميثاق، وشكل قيادته الفلسطينية، ومساهمة كل طرف فيه. وعندما تُنشر هذه القرارات، يصبح الالتزام الذي أعلنته مدريد برنامجاً ملموساً للتعافي الثقافي الفلسطيني.
سجل التحديثات والتصويبات
- تحديث: عُدّل العنوان والإطار التحريري لتقديم إسهام الإعلان بصورة بنّاءة، مع الإبقاء على خطوات التنفيذ المقبلة المثبتة في السجل.
- تحديث: أُعيد تحرير النسخة العربية تحريراً مستقلاً لتصبح أكثر سلاسة وطبيعية، من دون تغيير الوقائع أو الأرقام أو سجل المصادر.