الحرية المالية
حين ينقطع الإنترنت.. لماذا يحتاج الفلسطينيون إلى «بيتشات»؟
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
يعرف الفلسطينيون أكثر من أي شعب على وجه الأرض تقريباً معنى أن يختفي الإنترنت. عاشت غزة انقطاعات اتصالات متكررة — بنية تحتية دُمّرت أو أُطفئت، وعائلات عجزت عن معرفة إن كان أحباؤها أحياء، وطواقم إسعاف تعذّر إرسالها، وصحفيون لم يستطيعوا بثّ تقاريرهم. وفي الضفة الغربية يمر الاتصال عبر بنية تحتية لا يتحكم بها الفلسطينيون. حين تصبح الشبكة سلاحاً، تتحول القدرة على التواصل من دونها إلى مسألة بقاء.
لهذا يستحق تطبيق صغير اسمه «بيتشات» انتباه الفلسطينيين. أطلقه في تموز/يوليو 2025 جاك دورسي، المؤسس المشارك لتويتر، وهو تطبيق مراسلة مشفّر يعمل بلا إنترنت، وبلا شريحة اتصال، وبلا رقم هاتف، وبلا حساب، وبلا خوادم. تتصل الهواتف ببعضها مباشرة عبر البلوتوث مكوّنة شبكة متداخلة: كل جهاز يمرر الرسائل إلى الجهاز التالي، قفزة بعد قفزة، بمدى يتراوح بين مئة وثلاثمئة متر تقريباً لكل وصلة. وكلما زاد عدد مستخدميه، امتدت الشبكة أبعد.
لهذا التصميم خاصيتان تهمّان في الانقطاع. الأولى: لا شيء يمكن إطفاؤه — لا برج، ولا كابل، ولا شركة يمكن أن تُؤمر بقطع الخدمة. ما دامت في الهواتف بطارية، فالشبكة قائمة حيثما تجمّع الناس. والثانية: لا شيء يمكن مصادرته أو استدعاؤه — لا رقم هاتف، ولا بريد إلكتروني، ولا سجل مركزي. يظهر المستخدمون باسم مستعار يختارونه، والرسائل مشفّرة من الطرف إلى الطرف. ونظام «الخزن والتمرير» يعني أن الرسالة يمكن أن تنتظر، مشفّرةً، على الأجهزة القريبة حتى يدخل مستلمها في المدى.
القيود حقيقية وتستحق أن تُقال بوضوح. شبكة البلوتوث المتداخلة تقنية «حَيّ» لا بديل عن الإنترنت: تعمل حيث يكتظ الناس — مخيم لاجئين، شارع سوق، مظاهرة، جامعة — وتضعف حيث يتفرقون. وهي برمجية فتية، ولا ينبغي التعامل مع أي أداة على أنها غير قابلة للاختراق؛ فالمستخدم الحذر يراكم طبقات حمايته. لكن في اللحظات التي يعرفها الفلسطينيون أكثر من اللازم — الانقطاع، الاقتحام، الكابل المقطوع — شبكة الحيّ هي بالضبط ما يكون مفقوداً.
ويحمل «بيتشات» أيضاً بذرة من حكاية الحرية المالية التي يتابعها هذا القسم. فقد جرّب التطبيق إرسال البيتكوين عبر الشبكة نفسها، باستخدام تقنية خصوصية تُدعى «إيكاش» — قيمة تنتقل من هاتف إلى هاتف، عبر البلوتوث، بلا بنك وبلا اتصال. الأمر مبكر وتجريبي. لكن ضعه بجانب بنوك غزة المنهارة، والحسابات المجمّدة، وعمولات سماسرة النقد التي تبلغ أربعين بالمئة، فيتضح الاتجاه بجلاء: أدوات تتيح للناس التواصل والتعامل حين تخذلهم كل الأنظمة الرسمية.
تقنيات الحرية عائلة واحدة: مال لا يمكن تجميده، ورسائل لا يمكن إسكاتها، وشبكات لا يمكن إطفاؤها. «بيتشات» مجاني ومفتوح المصدر ويعمل على الهواتف العادية. ولشعبٍ استُخدم اتصاله سلاحاً ضده، فإن مكانه في العُدة — قبل الانقطاع المقبل، لا بعده.