سياسة ودبلوماسية
خطة واشنطن لغزة بلا تمويل.. والعين على أموال المقاصة الفلسطينية
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
جرى في واشنطن هذا الأسبوع حديثان متوازيان، وكان كلاهما عن المال. في الأول، أكّد مسؤولون في إدارة ترامب أنهم يعملون على تحويل مليارات الدولارات من أموال الضرائب الفلسطينية — وهي أموال تجبيها إسرائيل بالنيابة عن الفلسطينيين وترفض تسليمها منذ أكثر من عام — إلى الجهة التي أنشأتها واشنطن لإدارة غزة بعد الحرب، وهي جهة تعاني نقص التمويل. وفي الثاني، أمضى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أول لقاء له في المكتب البيضاوي منذ بدء الحرب مع إيران وهو يدفع باتجاه خطة لإنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل في غضون عقد. والحديثان معاً يضيّقان المساحات التي يمكن للفلسطينيين أن ينتظروا فيها مساءلة واشنطن على ما تفعله باسمهم.
التعهدات والحساب#
في مؤتمر لجمع التبرعات عُقد في واشنطن في شباط/فبراير، قالت الولايات المتحدة إن 17 مليار دولار تم التعهد بها لمجلس السلام، وهو الجهاز الذي ترأسه واشنطن وأُنشئ بموجب خطة النقاط العشرين للرئيس دونالد ترامب للإشراف على غزة بعد الحرب. وتعهّد ترامب بعشرة مليارات من هذا المبلغ بنفسه. وبحلول منتصف أيار/مايو، لم يكن قد حُوّل فعلياً سوى نحو واحد في المئة، وهو ما قاله المجلس نفسه في تقرير إلى مجلس الأمن الدولي في 15 أيار/مايو، ورد فيه أن "الفجوة بين التعهد والصرف يجب أن تُسدّ على وجه السرعة".
ولم تُسدّ الفجوة، والسبب ينبغي أن يقلق كل من ينتظر سقفاً في غزة: الحرب مع إيران عطّلت عائدات النفط الخليجية. فقد أدّت الهجمات الإيرانية على الملاحة إلى إغلاق مضيق هرمز، وتجاوز سعر النفط مئة دولار للبرميل. الحرب التي تخوضها واشنطن استنزفت الخزائن التي كانت تتوقع منها أن تدفع كلفة إعادة إعمار غزة.
| أموال إعمار غزة | المبلغ | حتى تاريخ |
|---|---|---|
| تعهدات لمجلس السلام | 17 مليار دولار | شباط 2026 |
| منها تعهدات دول الخليج | 7 مليارات دولار | شباط 2026 |
| ما حُوّل فعلياً | نحو 1 في المئة | منتصف أيار 2026 |
| ما يحتفظ به المجلس من دول الخليج | 500 مليون دولار | 20 تموز 2026 |
| كلفة مشروع الإسكان التجريبي في رفح | 150 مليون دولار | 27 تموز 2026 |
من منتجعات الواجهة البحرية إلى 50 ألف وحدة قرب مدينة مسحوقة#
تقلّصت الخطة لتناسب المال المتوفر. فقد أفادت صحيفة واشنطن بوست في 27 تموز/يوليو بأن المجلس نحّى جانباً مشروع "غزة الجديدة" الذي عرضه جاريد كوشنر في دافوس في كانون الثاني/يناير — أحياء من الأبراج السكنية ومنتجعات على الواجهة البحرية — لصالح مشروع تجريبي. ووصفه مسؤول كبير في المجلس بأنه "إسكان مؤقت جدّي" لنحو 50 ألف فلسطيني، يُنجز قبل نهاية العام، على رقعة أرض تسيطر عليها إسرائيل قرب مدينة رفح المسحوقة.
وخمسون ألفاً تعادل واحداً من كل أربعين ممن بقوا في غزة. وقال برنامج الأغذية العالمي إن الوضع الإنساني "لا يزال وحشياً" لما يصل إلى مليونَي شخص هناك. وفي الوقت نفسه زحف "الخط الأصفر" — حدّ المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي بموجب وقف النار — إلى ما يتجاوز 53 في المئة من القطاع التي خصّصها له الاتفاق، وقال الوزير الإسرائيلي للأمن القومي إيتمار بن غفير صريحاً إن "غزة لنا". ووصف دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق في إسرائيل، نموذج الإسكان هذا بأنه "غريب"، مشككاً في أن ينتقل الفلسطينيون إليه طوعاً.
قوة شرطة بلا موعد#
قال مسؤول في مجلس السلام يوم الأربعاء إن التدقيق الأمني في أول فوج من خمسة آلاف مجنّد لقوة شرطة فلسطينية جديدة قد اكتمل، من بين أكثر من 200 ألف طلب انتساب، وإن التدريب يُفترض أن يبدأ خارج القطاع "في الأسابيع المقبلة". وقد طُبّق التدقيق الأمني الإسرائيلي بشكل غير مباشر لاستبعاد أي شخص مرتبط بحماس.
والتصميم النهائي، كما وصفه قائد القوة في شباط/فبراير، هو نحو 12 ألف شرطي فلسطيني وقوة تحقيق استقرار يصل قوامها إلى 20 ألفاً، تُنشر قطاعاً بعد قطاع بدءاً من رفح. لكن المسؤول نفسه قال إنه لا يوجد جدول زمني، وإن النشر "مرهون بالظروف"، وإن المجلس لا يزال يحدّد من يملك السلطة القانونية داخل المنطقة التجريبية، مسمّياً الـNCAG الجهة التي ستديرها: "نحن قريبون من إنجاز الخطط مع الـNCAG بشأن كيفية إدارتها للمنطقة من الناحية القانونية". وبالنسبة لعائلة في غزة، هذا هو السؤال كله — من يمكنه أن يعتقلك، ومن يمكنه أن يسمح لك بالعودة — وهو بلا جواب.
المال الفلسطيني في الأصل#
أموال المقاصة هي الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة التي تجبيها إسرائيل على السلع الداخلة إلى الأراضي الفلسطينية، والتي تلتزم بموجب بروتوكول باريس لعام 1994 بتحويلها إلى رام الله شهرياً. وقد حجبها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بالكامل منذ أيار/مايو 2025، في خطوة قدّمها كردّ على موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية. وتراكم منها أكثر من خمسة مليارات دولار. وهي تشكّل معظم موازنة السلطة الفلسطينية.
وأفاد موقع "واينت" أولاً، وأكّدت صحيفة تايمز أوف إسرائيل، أن واشنطن طلبت تحويل جزء من هذه الأموال إلى مجلس السلام. ورفض مكتب سموتريتش الطلب، قائلاً إنه قد يتيح لـ"رام الله أن تحصل على موطئ قدم في غزة". أما السلطة فقد عرضت المساهمة في المجلس بشرط أن تُفرج إسرائيل عن أموال المقاصة وأن يُقسم أي مبلغ يُفرج عنه بالتساوي. وعاد الملف إلى الطرح في لقاءات هذا الأسبوع؛ وعندما سُئل نتنياهو عمّا إذا كان يخشى انهيار السلطة تحت وطأة هذا الخنق المالي، قال إنه يعتقد أنها ستصمد.
وقال ثلاثة مسؤولين حكوميين لصحيفة تايمز أوف إسرائيل إن الإدارة تدرس مذكرة تفاهم مع السلطة يعيد فيها الطرفان الالتزام بالنقطتين الأخيرتين من الخطة، وهما حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإطلاق مفاوضات بقيادة أمريكية، وتأمل رام الله أن تؤدي إلى إعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن. والرافعة الإقليمية هي التطبيع السعودي: قال ترامب في 23 تموز/يوليو إن الاتفاق النووي المدني الموقّع بين واشنطن والرياض لا يسري إلا إذا انضمت السعودية إلى "الاتفاقات الإبراهيمية". ويبقى شرط الرياض المعلن هو "مسار لا رجعة فيه" نحو دولة فلسطينية، بينما يواصل نتنياهو رفض إقامة الدولة رفضاً قاطعاً.
لماذا مسألة المساعدات مسألة فلسطينية#
قال مسؤول إسرائيلي كبير إن نتنياهو أبلغ ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف أنه يريد الانتقال "من المساعدة إلى الشراكة" وتصفير المساعدات العسكرية الأمريكية في غضون عشر سنوات. ومذكرة التفاهم الحالية تمنح إسرائيل 3.8 مليار دولار سنوياً وتنتهي في 2028. وبحسب تصوّر نتنياهو، ستتقلّص منح التمويل العسكري الأجنبي البالغة 3.3 مليار دولار سنوياً إلى الصفر، مع الإبقاء على 500 مليون دولار سنوياً لدعم الدفاع الصاروخي، إلى جانب صندوق بحثي مشترك مقترح بنحو 16 مليار دولار. وكان تبريره صريحاً: إسرائيل لا تريد أن يتوقف أمنها على السياسة في واشنطن، في ظل تراجع النظرة إليها داخل الحزبين.
وهذا المزاج المتراجع بدأ يظهر في التصويت. ففي 15 نيسان/أبريل رفض مجلس الشيوخ قرارَي رفض تقدّم بهما السيناتور بيرني ساندرز — أحدهما ضد بيع قنابل زنة ألف رطل بقيمة 151.8 مليون دولار، والآخر ضد بيع جرافات كاتربيلر من طراز D9 بقيمة 295 مليون دولار — بنتيجة 36 مقابل 63، و40 مقابل 59. سقط القراران، لكن أربعين سيناتوراً أيّدوا أحدهما على الأقل، أي نحو ضعف التأييد قبل عامين.
وهذه التصويتات لا توجد إلا لأن المساعدات ومبيعات الأسلحة تمرّ عبر الكونغرس. ويقول ستيفن سايمون من معهد كوينسي للسياسة الخارجية المسؤولة إن استبدال المنح بصناديق مشتركة للتوريد والبحث "سينتزع آليات الرقابة السياسية والدبلوماسية التي تجعل العلاقة قابلة للمساءلة العلنية، وينقلها من تصويت سنوي ظاهر على المساعدات إلى ماكينة التسليح المعتمة". فعلاقة يُعاد بناؤها كتطوير مشترك لا تترك شيئاً يصوّت ضده أي عضو في مجلس الشيوخ.
السقف الذي يظلّل كل ذلك#
كل ما سبق يقع تحت سقف الحرب مع إيران. فقد أطلقت إيران النار على قاعدة أمريكية في الأردن يوم الثلاثاء، بعد ساعات من لقاء المكتب البيضاوي، وهو أول هجوم من هذا النوع منذ أن أوقف ترامب الضربات الأمريكية يوم الجمعة. وقال ترامب يوم الأربعاء إن "دورنا" قد جاء لضرب إيران "بقوة شديدة"، مع إبقائه الباب مفتوحاً للمحادثات. وقال المسؤول الإسرائيلي الكبير إن الرجلين استعرضا ثلاثة مسارات: اتفاق تفاوضي، أو ضغط اقتصادي دون مزيد من الحرب، أو هجوم كبير جديد.
وتحرّكت وزارة الخزانة في اليوم نفسه، فأدرجت عشر جهات وثماني ناقلات إضافية على قوائم العقوبات، منها شركتان تقول إنهما محوريتان في مخطط إيراني لانتزاع مدفوعات من السفن العابرة لمضيق هرمز. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن "النظام متعطش للنقد، مع اقتصاد في انحدار حر وتضخم من ثلاث خانات".
والاختبار القريب بالنسبة للفلسطينيين ليس ما إذا كان الإسكان المؤقت سيرتفع خارج رفح قبل كانون الأول/ديسمبر. الاختبار هو ما إذا كانت أموال المقاصة ستتحرك، وبأي شروط — لأن أول مقترح جدّي لتمويل إنعاش غزة منذ أشهر هو مقترح لإنفاق أموال الفلسطينيين أنفسهم، والجهة التي ستنفقها لم يصوّت لها أي فلسطيني.



