الحرية المالية
سيف الدين عموص يقرأ سلب الفلسطينيين بمنظار الملكية
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
أمضى سيف الدين عموص سنواتٍ يدافع عن نقد تحكمه قواعد لا يغيّرها الحاكم متى شاء. وفي مقابلاته الأخيرة عن فلسطين، نقل الاقتصادي الفلسطيني الاختبار نفسه إلى الأرض: من مالكها، ومن انتزعها، وهل تسري حقوق الملكية ذاتها على الجميع؟
بهذا الربط عاد مؤلف «معيار البيتكوين» إلى بلد مولده من باب الاقتصاد. ففي محاضرة وحلقتين صوتيتين نُشرت بين نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ويونيو/حزيران 2026، قدّم عموص حجته بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يُفهم من دون الإنكار المنهجي لحقوق الفلسطينيين في الملكية. ووصف حواره مع ماريو نوفل في 23 يونيو/حزيران وحلقة محاضرته في 2 يونيو/حزيران هذا الطرح بأنه قراءة على نهج لودفيغ فون ميزس؛ أي حجة من الاقتصاد الليبرالي، لا حكماً صادراً عن محكمة دولية.
والفارق جوهري. يعرض عموص نظرية لتفسير الصراع. تستطيع الوثائق اختبار أجزاء منها، لكن عدسة اقتصادية واحدة لا تستوعب كامل الحق الفلسطيني في تقرير المصير والمساواة والعودة والتحرر من الاحتلال.
ابدأ بالمالك لا بالدولة#
يلخص عموص حجته بعبارة مباشرة: يرى أن الصراع نتج من حرمان الفلسطينيين حقوقهم في الملكية لأنهم لا ينتمون إلى الجماعة الإثنية والدينية الحاكمة. ترفض هذه المقاربة أن يتحول الادعاء الجماعي إلى رخصة لطرد المالك الفرد. وهي تسأل: ماذا تفعل محكمة تطبق القاعدة نفسها على الجميع حين تنظر في بيت أو بستان أو قطعة أرض؟
ينسجم ذلك مع كتاباته النقدية. في «معيار البيتكوين»، يرى أن المال الموثوق لا ينبغي أن يبقى رهناً بقرار الجهة التي تصدره؛ وفي فلسطين يقول إن الملكية الموثوقة لا ينبغي أن تتوقف على الهوية التي تفضلها الدولة. وفي الحالتين يبحث عن قاعدة تعمل خارج دائرة المحاباة السياسية.
الرابط الفكري واضح، لكن المسألتين ليستا شيئاً واحداً. يستطيع البيتكوين إثبات السيطرة على مفتاح رقمي، لكنه لا يثبت وحده سند عائلة إلى منزل، ولا يحسم تعارض الوثائق، ولا يقسم الميراث، ولا يبطل استيلاءً عسكرياً، ولا ينفذ حكماً. تحتاج الأرض إلى أرشيف وشهادات ومحاكم وسلطة عامة. ولا تكفي القاعدة العادلة إذا غابت المؤسسة القادرة على تطبيقها بعدل.
السجل الدولي يثبت مركزية الأرض#
يدعم أحدث سجل قانوني موثوق قرار عموص وضع الأرض في قلب النقاش. ففي ملخص رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة استند إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي أو الاستيلاء عليها. وقررت أن المستوطنات والنظام المرتبط بها يُصانان بالمخالفة للقانون الدولي، وأن جبر الضرر يقتضي إعادة الممتلكات حين يكون ذلك ممكناً، أو دفع تعويض عندما تستحيل الإعادة مادياً.
هذه خلاصات قانونية صادرة عن الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، وليست دليلاً على أن كل نزاع تاريخي على الملكية يملك جواباً بسيطاً واحداً. لكنها تثبت أن انتزاع الأرض ليس استعارة يستخدمها عموص؛ بل آلية موثقة من آليات الاحتلال يرتب القانون الدولي على إسرائيل معالجة آثارها.
أما تحويل المبدأ إلى إعادة فعلية لكل عقار فيحتاج عملاً قانونياً وصحفياً هائلاً. تتوزع الوثائق بين أرشيفات عثمانية وبريطانية وأردنية وإسرائيلية وفلسطينية، وتوفي بعض المالكين في المنافي، وانتشر الورثة عبر الحدود، وتبدلت حدود الأرض بفعل الهدم والبناء وتوسع المستوطنات. ويلزم القاعدةَ المتساوية معيارٌ شفاف للإثبات والميراث وتعارض المطالبات، ومحكمة تصل سلطتها إلى الطرف الذي يسيطر على العقار. لا تلغي هذه التعقيدات الحق، بل تبين ضرورة تحويله من شعار إلى مسار تستطيع العائلات استخدامه.
كما يسبق سجل الملكية عام 1967. فمطالبات اللاجئين الفلسطينيين تصل إلى البيوت والأراضي التي فُقدت عام 1948، وواجهت عائلات داخل إسرائيل قوانين تنقل السيطرة على ممتلكاتها أو تقيدها. يضيء اختبار المساواة الذي يقترحه عموص هذه القضايا، لكن القانون الدولي يضيف فئات لا تختصرها عبارته الاقتصادية: صفة اللاجئ، وحظر النقل القسري، وتقرير المصير، والاحتلال العسكري، وواجبات الدولة تجاه سكان محميين.
تبعية نقدية تحيط بالملكية#
لا تنفصل الأرض عن النظام المالي الذي يشتري الناس عبره ويرهنون ويورّثون ويدافعون عن حقوقهم. وقد سجل تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عام 2024 أن الحكومة الفلسطينية لا تملك بنكاً مركزياً ولا عملة وطنية ولا وصولاً مستقلاً إلى أسواق المال الدولية. ويستخدم الفلسطينيون الشيكل الإسرائيلي إلى جانب الدولار والدينار الأردني، ضمن ترتيبات تبقي أدوات نقدية أساسية خارج السيطرة الفلسطينية.
لهذا تهم كتابات عموص القارئ الفلسطيني حتى حين يرفض نتائجها السياسية. فهو يسأل عما يحدث حين تعتمد المدخرات على جهة إصدار أو قناة مصرفية يسيطر عليها طرف آخر. وفي الضفة الغربية لا يبقى ذلك سؤالاً نظرياً؛ إذ يمكن أن تتحول إعادة النقد إلى إسرائيل، وعلاقات البنوك المراسلة، وإيرادات المقاصة، والوصول إلى شبكات الدفع إلى نقاط ضغط سياسية.
قد يفتح البيتكوين مخرجاً لعدد محدود من التحويلات أو المدخرات، لكنه لا يمنح سند ملكية، ولا يفتح معبراً، ولا يجبر سلطة عسكرية على تنفيذ حكم. كما يعرّض مستخدمه لتقلب السعر والاحتيال وفقدان أدوات الحفظ وانقطاع الاتصال. الحرية المالية جزء من الحرية المادية، وليست بديلاً عنها.
ولا تقدم المقابلات بعدُ برنامجاً فلسطينياً قابلاً للقياس في استخدام البيتكوين. فهي لا تحصي الأسر القادرة على استعماله بأمان، ولا تشرح محاسبة الشركات له، ولا تحدد حماية المستهلك، ولا طريقة إشراك من يفتقر إلى كهرباء واتصال موثوقين. هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها الفارق بين فلسفة للخروج وسياسة تخدم السكان. تبلغ حجة عموص أقصى قوتها كتحذير من التبعية النقدية، لكنها تحتاج إلى أدلة محلية قبل أن تصبح وصفةً عامة.
تكتمل الحجة حين تصغي إلى القانون#
في قراءة عموص نقطة قوة مهمة: فهي ترفض اللغة التي تحوّل سلب الملكية إلى احتكاك غامض بين روايتين وطنيتين. تعيد النظر إلى الإنسان الذي فقد بيتاً أو حقلاً، وتطلب قاعدة واحدة للجميع. وهكذا تجعل تاريخاً سياسياً متشعباً قابلاً للفهم على مستوى حياة الفرد.
أما الضعف فيظهر حين تصبح الملكية كل الصراع لا بنيةً مركزية فيه. فالفلسطينيون ليسوا ملاكاً يطلبون إعادة ممتلكاتهم وحسب؛ إنهم شعب له حق المشاركة السياسية وتقرير المصير، ولاجئون لهم مطالبات معترف بها دولياً، وسكان يعيشون تحت حكم عسكري، ومواطنون يواجهون أنظمة قانونية غير متساوية. وقد تنتهك المستوطنة سند الفرد وحق الجماعة معاً.
لذلك لا تقول القراءة الأقوى لمقابلات عموص إن الاقتصاد يحل محل القانون، بل إن الاختبار الاقتصادي البسيط يكشف مدى احترام الوعود القانونية: عيّن المالك، وطبّق قاعدة واحدة، وأعد ما يمكن إعادته، وعوّض عما تحول الظروف دون إعادته. يبين سجل محكمة العدل الدولية بُعد الواقع عن هذا المعيار، فيما يوضح تقرير «أونكتاد» أن الاختلال نفسه يمتد إلى المؤسسات النقدية المحيطة بالملكية الفلسطينية.
يستحق هذا الرابط متابعةً من قسم «الحرية المالية» من دون تحويله إلى عقيدة. أدخل عموص إلى عالم البيتكوين سؤالاً فلسطينياً خالصاً: لا تكتمل حرية الإنسان من جهة إصدار نقدية متحكمة إذا ظل معرضاً لفقد أرضه أو بيته أو مركزه القانوني بقرار متحكم. المقابلات تعرض الحجة، والوثائق تمنحها قوتها وترسم حدودها في آن.
