سياسة ودبلوماسية
الشرع: مشهد الدرة صنع وعيي قبل مغادرتي دمشق
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
وضع الرئيس السوري أحمد الشرع صورةً فلسطينية في أول حكايته. ففي المقابلة المطوّلة التي خصّ بها برنامج «المقابلة» على قناة الجزيرة — أكثر من سبع ساعات أمام الإعلامي علي الظفيري، سُجّلت في 25 يوليو/تموز في دمشق، وجرى بعضها في حي المزة حيث نشأ، وبُثّت على أجزاء منذ أواخر الشهر نفسه — عاد الشرع إلى الانتفاضة الفلسطينية الثانية وإلى المشهد الذي فتحها: محمد الدرة، ابن الاثني عشر عاماً، يموت في حضن أبيه عند مفترق نتساريم جنوبي مدينة غزة في 30 سبتمبر/أيلول 2000. واستعاد الرئيس تلك الصورة، والانتفاضة التي صارت رمزاً لها، بوصفها القوة التي شكّلت سنواته الأولى وفكره في دمشق، قبل أن يغادر سوريا إلى العراق عام 2003.
طاف مشهد الدرة العالم في يوم واحد بعدما وثّقه المصوّر الفلسطيني طلال أبو رحمة لقناة «فرانس 2» الفرنسية، وتحوّل أيقونة اندلاع الانتفاضة. وأعادت الفضائيات العربية في ذلك الخريف بثّ صورة جمال الدرة وهو يلوّح مستغيثاً فوق جسد ابنه، وخرجت التظاهرات في العواصم من الرباط إلى دمشق، فيما تابع جيل كامل من الفتيان العرب وقائع الانتفاضة ليلة بعد ليلة على الشاشات. كان الشرع واحداً من هؤلاء: فتى تنقصه أسابيع عن عامه الثامن عشر يوم استشهد الدرة، ينحدر من أسرة ميسورة هجّرها احتلال الجولان عام 1967، ويعمل بعد المدرسة في دكان أبيه في المزة.
وتتطابق روايته أمام «المقابلة» مع ما قاله للسجل قبل وصوله إلى الرئاسة بسنوات. ففي فبراير/شباط 2021، حين كان لا يزال يقود هيئة تحرير الشام في إدلب باسم أبي محمد الجولاني، حدّد في حواره مع الصحفي مارتن سميث لبرنامج «فرونت لاين» على شبكة «بي بي إس» الأميركية لحظة يقظته السياسية في ذلك الخريف بالذات: «كنت في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمري، وبدأت أفكر كيف أؤدي واجبي في الدفاع عن شعبٍ يظلمه محتلون وغزاة». ومنذ سقوط حكم الأسد، ثبّتت البورتريهات الصحفية — من مجلة «نيو لاينز» إلى الصحافة العربية — سيرته على القطبين ذاتيهما: أسرة اقتلعها احتلال الجولان، ومراهقة دمشقية عاشها على صور الانتفاضة. وفي عام 2003، وله من العمر عشرون عاماً، غادر دمشق إلى العراق قبل أسابيع من الغزو الأميركي، في الرحيل الذي بدأ طريق العشرين عاماً من متطوّع أجنبي إلى سجين فقائد فحاكم لإدلب، ثم رئيساً لسوريا منذ يناير/كانون الثاني 2025.
وتحطّ هذه الذكرى في حاضرٍ كشفته المقابلة نفسها. فقد قال الشرع في الحوار ذاته إن سوريا تتجنب الصدام مع إسرائيل، وتحدث عن تفاهمات مع واشنطن وصفحة جديدة مع موسكو وموقفه من سلاح حزب الله — وهي مفردات رئيس دولة يدير حدوداً وعقوبات وإعماراً. والمسافة بين السجلّين هي حكاية جيله من الحكام العرب: رجال في الأربعينات صنعت وعيهم السياسي صورُ غزة عام 2000، ويحكمون اليوم دولاً تمر ملفاتها بالعواصم ذاتها التي تظاهروا ضدها فتياناً. أما الفلسطينيون، فقد سمعوا من المقابلة ما هو أندر من التعاطف: رئيساً عربياً يقول، على أوسع برامج المنطقة مشاهدةً، إن موت طفل فلسطيني هو النقطة التي بدأت عندها حياته السياسية. وأما قيمة تلك الذاكرة في السياسة، في سوريا تتلمس موقعها بين واشنطن وموسكو وتل أبيب، فسؤال ستجيب عنه سنوات رئاسته المقبلة.

,%20Commander%20of%20United%20States%20Central%20Command%20on%20August%208,%202025%20(cropped).jpg?width=640)
%20(cropped).jpg?width=640)

