سياسة ودبلوماسية
شللٌ في سوق عمل غزة.. وإسرائيل تمضي بتسجيل أراضي الضفة
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
توقّف سوق العمل في قطاع غزة عن العمل بأي معنى قابل للقياس. فقد قدّر المرصد الاقتصادي للبنك الدولي الخاص بالضفة الغربية وقطاع غزة، الصادر في أيار/مايو، نسبة البطالة في غزة بـ78 في المئة عام 2025، أي ما يقارب أربعة أضعاف مستويات ما قبل الحرب المرتفعة أصلاً، وخلص إلى أن أكثر من 90 في المئة من السكان في سن العمل في غزة بلا وظيفة. وقال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في تموز/يوليو إن النسبة تجاوزت 80 في المئة، مقابل 29 في المئة في الضفة الغربية.
حجم هذا الانقلاب غير موضع خلاف. فقد سجّل البنك الدولي تراجعاً في الناتج المحلي الإجمالي لغزة بنسبة 83 في المئة على أساس سنوي عام 2024، وانخفاضاً إضافياً بنسبة 12 في المئة في الربع الأول من عام 2025، وخلص إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الأراضي المحتلة كان قد تراجع بحلول نهاية عام 2024 إلى مستويات عام 2009، مع بلوغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للفرد نحو 2600 دولار، أي أدنى من 2900 دولار المسجّلة عام 2011.
ويختلف المصدران الرئيسيان للأرقام بشأن عام 2025. فالبنك الدولي يقدّر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لغزة نما بنحو 30 في المئة، ويعزو ذلك إلى أثر القاعدة المنخفضة لا إلى تعافٍ، ويقول إن معظم القطاعات الإنتاجية لا تزال مشلولة. أما الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فيقول إن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 8.7 في المئة إضافية عام 2025. وكلا الوصفين يتحدث عن اقتصاد لا يُنتج.
الإطار النظري الذي تُختبر هذه الأرقام في ضوئه هو إطار سارة روي. ففي كتابها «قطاع غزة: الاقتصاد السياسي للاتنمية»، الذي نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية أول مرة عام 1995 وأُعيد إصداره في طبعة ثالثة موسّعة عام 2016، تُعرّف روي اللاتنمية بأنها التفكيك المنهجي لاقتصاد طبيعي ولأدائه العقلاني، وترى أن السياسة الإسرائيلية عملت على حجب التطور الاقتصادي الداخلي لا مجرد إعاقته. وفي الطبعة الثالثة ترى أن تلك التحولات كانت في طريقها إلى التحوّل إلى مؤسسات راسخة.
وما تغيّر منذ ذلك الحين هو أن هذه الآليات صارت مكتوبة في قرارات الحكومة وفي ترتيبات وقف النار.
فإعادة الإعمار، وهي المحدد الأكبر منفرداً لفرص العمل في غزة، لم تبدأ. ويسجّل تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني عن الترتيبات الانتقالية في غزة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقول إنه لا ينبغي السماح ببدء إعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس. وأفادت صحيفة جيروزاليم بوست هذا الأسبوع بأن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي أقرّ المرحلة التجريبية من «مجلس السلام» ودخول قوة استقرار دولية، مع التشديد على أن الجيش سيواصل السيطرة على الخط الأصفر. وأفادت صحيفة القدس هذا الشهر بأن برنامج إعادة الإعمار قُلّص إلى مشروع تجريبي محدود في منطقة المواصي في رفح، في ظل استمرار الرفض الإسرائيلي لإدخال مواد البناء الأساسية.
والخط الأصفر نفسه يولّد تهجيراً. فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في كانون الثاني/يناير بأن عمليات تفخيخ المباني السكنية وتجريف الأراضي تواصلت قرب الخط وشرقه، وبأن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثّق عمليات عسكرية إسرائيلية متكررة غرب خط إعادة الانتشار أدت إلى تهجير مدنيين وهدم منازل. وفي حزيران/يونيو، أفاد أوتشا بمزيد من التوغل في الخط مع تقدّم القوات نحو مناطق مأهولة في مدينة غزة، وتحديدها مساراً معدّلاً بمكعبات إسمنتية، وأشار إلى أن معظم سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة لا يزالون مهجّرين.
وتوضح إمدادات المياه ما يعنيه ذلك داخل البيت. فقد استندت نشرة تحديثية لمنظمة اليونيسف في أيار/مايو إلى أرقام أوتشا التي تشير إلى ما بين 4.5 و6 لترات للفرد يومياً في غزة بحلول أواخر آذار/مارس، مقابل نحو 165 لتراً للفرد يومياً في القطاع المنزلي في إسرائيل، وهو رقم مأخوذ من الحكومة الإسرائيلية. وأفادت منظمة أطباء بلا حدود في نيسان/أبريل بأن كل طلب قدّمته منذ 1 كانون الثاني/يناير 2026 لإدخال إمدادات عبر نظام الموافقات الذي تسيطر عليه إسرائيل قد رُفض، بما في ذلك وحدات تحلية ومضخات وكلور، ووصفت السلطات الإسرائيلية بأنها تستخدم المساعدات «كصنبور».
ويفيد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بأن أكثر من 198 ألف مبنى في غزة تعرّضت لأضرار، منها أكثر من 102 ألف مبنى دُمّرت كلياً، وبأن 98.5 في المئة من الأراضي الزراعية فقدت إنتاجيتها أو أصبحت غير قابلة للوصول. ويقدّر عدد سكان غزة بـ2.13 مليون نسمة، ويتحدث عن نزف سكاني ناتج عن القتل والتهجير وتدهور الظروف. وأفادت وزارة الصحة في غزة، نقلاً عن أوتشا، بمقتل 492 فلسطينياً واستخراج 715 جثماناً من تحت الركام بين وقف النار في تشرين الأول/أكتوبر وأواخر كانون الثاني/يناير.
وفي الضفة الغربية، تعمل الأدوات ذاتها عبر الأوراق الرسمية. ويسجّل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ارتفاع عدد العاطلين عن العمل من نحو 129 ألفاً في الربع الثالث من عام 2023 إلى نحو 280 ألفاً في الربع الرابع من عام 2025، بنسبة بطالة تبلغ 28 في المئة، مع تراجع إجمالي العمالة بنسبة 15 في المئة، وقطاع البناء هو الأكثر تضرراً. ووثّق أوتشا هدم 50 منشأة يملكها فلسطينيون خلال أسبوعين فقط في كانون الأول/ديسمبر بذريعة عدم حصولها على تراخيص بناء إسرائيلية، يقول المكتب إن حصول الفلسطينيين عليها يكاد يكون مستحيلاً؛ وكان بينها ثماني منشآت للمياه والصرف الصحي.
وفي 15 شباط/فبراير، خصّصت الحكومة الإسرائيلية أكثر من 244 مليون شيكل لإنشاء إدارة لتسوية ملكية الأراضي داخل وزارة العدل بهدف تسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، حيث تقول حركة «السلام الآن» إن ما يقارب 58 في المئة من الأراضي لا تزال غير مسجّلة. وتقول الحركة إن العملية تُلزم المالكين بإثبات الملكية بطرق يتعذّر على معظم الفلسطينيين استيفاؤها، لتُسجّل الأرض بعد ذلك كأرض دولة. وقالت منظمة العفو الدولية إن القرار يرقى إلى ضمّ بموجب القانون الإسرائيلي. ووصفته الرئاسة الفلسطينية بأنه ضمّ بحكم الواقع.
وحيث يُعلن القصد، يعلنه الوزراء. فعند إعلان الموافقة النهائية على 3401 وحدة سكنية في منطقة E1 في آب/أغسطس الماضي، قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إن المخططات «تدفن فكرة الدولة الفلسطينية»، وإنها جزء من خطة سيادة بحكم الواقع. وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن المخطط غير قانوني، وإنه سيقسّم الضفة الغربية إلى جيوب معزولة، وإن نقل مدنيين من قوة محتلة إلى أرض محتلة يشكّل جريمة حرب.
أما بشأن سكان غزة، فالسجل المنشور أضيق. فقد قالت وزارة الدفاع بقيادة الوزير يسرائيل كاتس عام 2025 إن إدارة جديدة ستشرف على «العبور الآمن والمنظّم لسكان غزة من أجل مغادرتهم الطوعية»، وقال كاتس في أيار/مايو إن الخطة ستُنفّذ في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. وقالت صحيفة هآرتس، وفق ما نقلته ميدل إيست آي في حزيران/يونيو، إن مسؤولين في مجلس الأمن القومي أعادوا النظر في الخطة، وإن ممثلي الموساد قالوا إنه لم يُحدَّد أي بلد مستعد لاستقبال فلسطينيين من غزة. ونفى نتنياهو السعي إلى إعادة توطين إسرائيليين في غزة.
ولا توجد أي وثيقة إسرائيلية منشورة تربط حملة تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) أو عمليات الهدم القائمة على التراخيص بتفريغ السكان، وهذا القصد غير ثابت في السجل. وما هو ثابت في السجل هو الأثر، الذي يحصيه أوتشا أسبوعياً.
ومن المقرر أن يبدأ المشروع التجريبي في رفح خلال أشهر، مع مساكن مؤقتة لعشرات آلاف الفلسطينيين رهناً بتدقيق أمني قبل الدخول، وفقاً لصحيفة جيروزاليم بوست. وهناك خطط فلسطينية لإعادة الإعمار، إحداها «فينيكس غزة» أعدّها اتحاد بلديات غزة مع معماريين فلسطينيين، وقد استُعرضت في تقرير نُشر بالعربية على موقع عرب48 في نيسان/أبريل، ولم تُعتمد أي منها.



