الصحة والتعافي
أطباء متطوعون يديرون طب غزة عن بُعد عبر «واتساب»
Graphic: Times of Palestine
تقرير أصلي
لم يكن أوسع رابط موثّق للطب عن بُعد بين مستشفيات قطاع غزة وأطباء مختصين في الخارج خلال الحرب منصةً ممولة ولا اتفاق توأمة بين مستشفيات، بل مجموعة على تطبيق «واتساب».
هذا ما خلصت إليه سلسلة حالات نشرتها دورية «ذي لانسيت» في آب/أغسطس 2024، أعدّها أطباء بقيادة خالد ألسر، وتصف كيف تبادل الفريق الجراحي في مجمع ناصر الطبي بخان يونس صوراً وتفاصيل عن إصابات ناجمة عن الأسلحة مع مختصين خارج القطاع طلباً للمشورة. وتذكر الورقة البحثية أن المجموعة تحولت إلى مجتمع يضم أكثر من 15 مجموعة فرعية موزعة على التخصصات وأنواع الإصابات، وما يزيد على ألف عضو انضموا دون أي استقطاب موجَّه، وأن مناقشة الحالات كلها جرت بعد الحصول على موافقة شفوية من المرضى.
أما استنتاج المؤلفين أنفسهم فجاء حذراً. تقول الورقة إن الطب عن بُعد بين الأطباء «يحمل وعداً» للجراحين في البيئات عالية الخطورة وشديدة الفقر بالموارد، غير أن فائدته قد تتراجع في البيئات البالغة القسوة، إذ تبقى الخيارات المتاحة لنظام صحي يعاني نقص الكوادر ويرزح تحت الحصار محدودة بصرف النظر عن الخبرة الآتية من بعيد. وتشير الورقة إلى أن مستشفى ناصر كان قد توقف عن العمل بحلول موعد نشر المقال.
قبل تلك الدراسة، لم يكن قد نُشر شيء يكاد يُذكر. فقد بحث المؤلفون في الأدبيات السابقة عن الطب عن بُعد في مجال الرضوح في غزة فوجدوا مقالين فقط: أحدهما عن تدريب الجراحين عن بُعد على معالجة الحروق، والآخر عن الصحة النفسية عن بُعد. ولم يتناول أي منهما الدعم التخصصي أثناء هجوم عسكري.
وتصف مراجعة منهجية للطب عن بُعد في ست دول متأثرة بالنزاعات في إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، نُشرت عام 2022، النمط ذاته على نطاق أوسع. فمعظم التدخلات أدارتها جهات إنسانية أو أكاديمية، وانطلق أكثرها من الولايات المتحدة أو أوروبا وبمبادرة أطباء في الغالب، أما المستخدمون داخل البلدان فكانوا أساساً عاملين في القطاع الصحي يبحثون عن تخصصات غير متوافرة محلياً، لا مرضى. وفي غزة، رصدت المراجعة مشروعاً لإعادة التأهيل عن بُعد ربط مستشفيات التأهيل المحلية بعضها ببعض عبر الاتصال المرئي. وانتهى مؤلفوها إلى أن مثل هذه التدخلات ممكنة بتقنيات منخفضة الكلفة، لكن معظم ما نُشر عنها كان رصدياً أو وصفياً، وقليل منها ضمّن أي مقياس للجودة السريرية.
بعبارة أخرى، تغيب بيانات النتائج عن السجل في معظمها.
وهناك مسار آخر يخدم المدنيين مباشرة. فدراسة عن النقاط الطبية المؤقتة في غزة، نشرتها «بلوس غلوبال ببلك هيلث» في أيلول/سبتمبر 2025، تفيد بأن فرقاً تطوعية أنشأت خدمات تعتمد على «واتساب»، وتذكر أن منصة «Gxza Health» قدّمت آلاف الاستشارات عن بُعد إلى جانب دعم نفسي واجتماعي وتنسيق لتوصيل الأدوية. وتعرّف المنصة نفسها بأنها تتيح استشارات مجانية مع أطباء ومختصين ومعالجين متطوعين ناطقين بالعربية، وبعض الأدوية المجانية، للمدنيين المهجَّرين والعاملين الصحيين. ويوصي مؤلفو الدراسة بتوسيع الطب عن بُعد والتدريب عن بُعد لمقدمي الخدمة داخل غزة والدعم النفسي والاجتماعي لطواقم الخطوط الأمامية، مع تصريحهم الواضح بأن هذه كلها حلول ترقيعية لنظام يقع تحت الهجوم.
وشغّلت وكالة «الأونروا» خطوط استشارة عن بُعد خاصة بها. ونشرت وكالة «صفا» الفلسطينية في تشرين الأول/أكتوبر 2024 قائمة بمقدمي استشارات الطب العام والأمراض الجلدية في الوكالة داخل غزة، يمكن الوصول إليهم عبر «واتساب».
أما الروابط المؤسسية فموجودة لكنها ضيقة. فقد فُعّلت خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» في المستشفى الميداني الإماراتي في رفح في تموز/يوليو 2024، وأعلن ذلك المدير التنفيذي لشركة «سبيس إكس» إيلون ماسك، ونقلته صحيفتا «هآرتس» و«جيروزاليم بوست»، بدعم من الإمارات وإسرائيل، بعد أن كانت الحكومة الإسرائيلية قد أقرّت استخدام المستشفى للخدمة قبل أكثر من خمسة أشهر. وقال مدير المستشفى سلطان الكعبي لموقع «أوربيتال توداي» إن الاتصال سيسمح بإجراء استشارات فورية مع مستشفيات إماراتية ومختصين في دول أخرى، في الحالات التي لا يستطيع المستشفى الميداني التعامل معها بمفرده. وهذا الترتيب يغطي منشأة واحدة.
وتتصل البرامج الأقدم بالتعليم. فقد أفادت مؤسسة «أنيرا» عام 2019 بأن 20 طبيباً من غزة كانوا يتابعون دروساً بالاتصال المرئي يقدّمها أساتذة من جامعة جونز هوبكنز، على مدى 12 جلسة في ستة أشهر، مع منح شهادات لمن ينجح في سبعة مواضيع على الأقل، امتداداً لمشروع بدأ في الضفة الغربية بتعاون وزارة الصحة الفلسطينية. وتقول مجموعة «GSI Italia» الإيطالية إن حملتها الصحية من أجل فلسطين تمول تدريباً عن بُعد للممرضين ومختصي إعادة التأهيل واستشارات مرئية مع أطباء فلسطينيين، على أن تكون خان يونس موقع التجربة الأولى، بعد أن تقدّم مستشفيان آخران في غزة والضفة الغربية بطلبين للانضمام.
كل ذلك يتوقف على شبكة تعرّضت للتدمير مراراً. فقد وثّق «تجمّع الاتصالات في حالات الطوارئ» أن شركة «الاتصالات الفلسطينية» فقدت 57% من مواقعها اللاسلكية في وقت مبكر من الحرب، وأن الغارات الجوية دمّرت اثنين من ثلاثة خطوط رئيسية للألياف البصرية بحلول 10 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وقدّرت قياسات «إنترنت سوسايتي بولس» أن مستوى الاتصال في غزة تراجع إلى 1–2% من مستوياته قبل تشرين الأول/أكتوبر، قبل أن يتحسن إلى نحو 22%. وأفاد موقع «الشبكة» في شباط/فبراير 2025 بأن مجموعة «حملة» للحقوق الرقمية قدّرت تدمير أكثر من نصف البنية التحتية للاتصالات في غزة وتضرّر ربع آخر منها، وأن شركة الاتصالات الفلسطينية وصفت شبكتها بأنها خارج الخدمة بنسبة 80%، مع منع إدخال مواد الإصلاح.
والوقود هو القيد الآخر: يربط التسلسل الزمني الذي أعدّه تجمّع الاتصالات في حالات الطوارئ استعادة الخدمات في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بإدخال شحنات الوقود، وحذّرت شركة الاتصالات الفلسطينية من انقطاع وشيك في حال عدم وصولها.
وفي حزيران/يونيو 2025، أفاد التجمّع بأن قطع الألياف عزل مدينة غزة والشمال من 10 حزيران/يونيو، ثم القطاع بأكمله من 12 منه، ولم تُستعد الخدمة جزئياً في 14 منه إلا بعد السماح لفنيي الاتصالات بالوصول، ليتبع ذلك قطع جديد في الجنوب والوسط وتهديد بتوقف شبكات الهاتف المحمول في غضون أيام. ووصفت «مؤسسة الحدود الإلكترونية»، نقلاً عن «حملة»، ما جرى بأنه ثالث انقطاع شبه كامل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفي الضفة الغربية، العقبة تتصل بالتنقل لا بسرعة الاتصال. فقد وجدت منظمة الصحة العالمية أن 84% من طلبات تصاريح المرضى في الضفة الغربية حصلت على الموافقة بين عامي 2019 و2021، وهي نسبة أعلى من نظيرتها في غزة، وأن معظم التحويلات في الضفة لم تكن تحتاج تصاريح أصلاً. وتقول منظمة «أطباء بلا حدود» إن مركزها للطب عن بُعد يهدف إلى تجاوز العوائق الجغرافية أمام الوصول إلى الرعاية التخصصية.
ولا يظهر في أي من هذه المواد المنشورة إطار للتراخيص ينظّم الاستشارة عن بُعد عبر الحدود. وقد انطلقت دراسة مقطعية شملت أطباء في مراكز الرعاية الأولية الحكومية الفلسطينية، أُجريت بين أيار/مايو وتموز/يوليو 2024 ووُزّعت عبر «واتساب»، لقياس مدى الاستعداد لتبنّي الطب عن بُعد، لأن هذه الممارسة تحديداً لا تزال جديدة.
وتبقى مسألة تحويل مجموعات المتطوعين إلى شيء دائم معلّقة على قرارات خارج حدود الطب: هل تحصل طواقم إصلاح الألياف على تصاريح الوصول، وهل يُسمح بإدخال الكابلات والوقود، وهل تصل محطات الاتصال الفضائي إلى أكثر من مستشفى واحد. وتسجّل مراسلات «ذي لانسيت» أن ألسر، المؤلف الأول لسلسلة الحالات، اعتُقل من آذار/مارس 2024 وأُفرج عنه في 30 أيلول/سبتمبر من العام نفسه، ولا يظهر في التبادل المنشور في الدورية أي رد إسرائيلي.


