الثقافة والفنون
منح تميم البرغوثي القدسَ قصيدتها التي يحفظها جيل كامل

حقوق الصورة: Tamim al-Barghouti with his parents, Radwa Ashour and Mourid Barghouti — photo supplied by the publisher
تقرير أصلي
في القدس هذا الصباح سائقُ سيارةٍ يكمل البيت إذا بدأتَه: «مَرَرْنا على دارِ الحبيبِ فردَّنا عن الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها». هكذا تفتتح قصيدة «في القدس» التي ألقاها تميم البرغوثي على مسرح برنامج «أمير الشعراء» في أبوظبي عام 2007، فردّدها الفلسطينيون عليه منذ ذلك الحين. وتسجّل دار «إنترلينك»
الناشرة لأعماله بالإنجليزية ما جرى بعد تلك الليلة: صارت القصيدة قصيدةَ شارعٍ، ولقّبته الصحف الفلسطينية بـ«شاعر القدس»، وعُلّقت صورُه في شوارع المدينة، وبيعت ميدالياتُ مفاتيح تحمل وجهه.
بعد قرابة عقدين، ما زال صاحب القصيدة واحداً من أوسع شعراء العربية قراءةً في جيله — عالِمُ سياسةٍ يحمل دكتوراه من جامعة بوسطن، وتمتلئ لأمسياته المدرّجات والملاعب كما تقول سيرته لدى ناشره. هذه السيرة حلقة من سلسلتنا عن الفنانين الذين يحملون فلسطين إلى العالم: حكاية شاعرٍ وُلد في المنفى فكتب طريق العودة شعراً.
بيت فيه شاعران#
وُلد تميم البرغوثي في القاهرة في 13 حزيران/يونيو 1977، في بيتٍ لعله الأحبّ إلى قرّاء العربية الحديثة: أبوه الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، ابن دير غسّانة قرب رام الله، وأمه الروائية المصرية رضوى عاشور. وحين بلغ تميم شهره الخامس أبعدت السلطات المصرية أباه مع وجوهٍ فلسطينية بارزة، كما تسجّل منصة «فَنَك» الإقليمية — فتعلّمت العائلة العيش موزَّعةً على الحدود.
ذلك الفراق — مريد ممثلاً لمنظمة التحرير في بودابست ورضوى تربّي تميم في القاهرة — صار مادةَ كتاب الأب الشهير «رأيتُ رام الله». أما كتابه الثاني «وُلدتُ هناك، وُلدتُ هنا» فيروي رحلة الأب بابنه المولود في مصر إلى قرية العائلة، وباتجاه المدينة التي ستصير عنوانه. لم يكن المنفى موضوعاً اختاره تميم؛ كان البيتَ الذي نشأ فيه.
الباحث الذي يكتب القصيد#
الشاعر باحثٌ في الدولة التي خذلته. درس العلوم السياسية في جامعة القاهرة ثم الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ونال الدكتوراه من جامعة بوسطن عام 2004 كما تثبت سيرته لدى مركز كينيدي للفنون في واشنطن. وفي كتابه «الأمة والدولة: الدولة القومية والمشرق العربي» يقدّم بالنثر الحجةَ التي تقدّمها قصائده بالوزن.
وفي آذار/مارس 2003، عشية الغزو الأمريكي للعراق، اعتقله الأمن المصري في تظاهرة ضد الحرب ورحّله إلى عمّان — إبعادٌ بلا سند قانوني كما تشير «فَنَك»، ردّ عليه بديوانين بالعامية المصرية: «قالوا لي بتحب مصر» و«مقام عراق». وسُمح له بالعودة بعد أسابيع، مُبعَداً من الجيل الثاني، طُرد مثل أبيه من البلد الذي وُلد فيه.
أما المسار المهني فعبَرَ المؤسسات كما تعبر قصائدُه اللهجات: شعبة حقوق الفلسطينيين في الأمم المتحدة ثم بعثتها في السودان عامي 2005 و2006، فزمالة معهد الدراسات المتقدمة في برلين عام 2007، فأستاذاً زائراً في جامعة جورجتاون التي رحّب مركزُ دراساتها العربية المعاصرة به للعام الدراسي 2008-2009.
تسع عشرة دقيقة في أبوظبي#
في عام 2007 جمع برنامج «أمير الشعراء» على قناة أبوظبي خمسةً وثلاثين شاعراً من أنحاء الوطن العربي في مسابقةٍ تابعها الملايين. بلغ البرغوثي المرحلة الأخيرة وحلّ خامساً — وصار الترتيب اليوم طرفةً تُروى، لأن ما يذكره الجمهور هو الليلة التي وقف فيها يلقي «في القدس».
تروي القصيدة زيارةً مقطوعة: زائرٌ يبلغ المدينة، يمشي في أزقّتها بين كل مَن أودعهم التاريخ فيها، ثم يُردُّ عنها. وتَعُدّ صحيفة «الرأي» الأردنية صاحبَها من قلةٍ نادرة من الشعراء تمتلئ لأمسياتهم القاعات على امتداد الخريطة العربية، أما المدن الفلسطينية فأجابت البثَّ على طريقتها — بالصور المعلّقة والميداليات واللقب الجديد. خامسٌ على لوحة النتائج، أولٌ في الشارع.
الكلُّ في القدس#
ما يُبقي القصيدة حيّةً هو حجّتها. تفتتح بالبيت العمودي الكلاسيكي عند السور الذي يردّ الشاعر: «فقلتُ لنفسي ربما هي نعمةٌ، فماذا ترى في القدسِ حين تزورُها» — ثم تصنع ما لا يتوقعه حاجزٌ: تُغرق المدينةَ بكل مَن مرّ بها. بائعُ الخضرة الجورجيّ البَرِمُ بزوجته، والمدرسةُ المملوكية، والآياتُ والأجراس، حتى القبور:
في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُها. الكلُّ مرُّوا من هنا، فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمنا
تميم البرغوثي، «في القدس»، 2007
وعتابُ القصيدة الشهير — «يا كاتبَ التاريخِ مهلاً، فالمدينةُ دهرُها دهران»: دهرٌ أجنبيٌّ مطمئنٌّ يمشي كأنه نائم، ودهرٌ كامنٌ متلثمٌ يمشي بلا صوتٍ — يُقرأ اليوم نبوءةً عن كل محاولةٍ لإغلاق حكاية المدينة بالقوة. ثم الخاتمة، السطرُ الذي يردّده الفلسطينيون في الأفراح والمآتم، حين يلمح الشاعرُ المدينةَ التي مُنع منها فيواسيه التاريخ:
في القدسِ مَن في القدسِ، لكنْ لا أرى في القدسِ إلا أنت
خاتمة القصيدة، موجَّهةً إلى كل ممنوعٍ من مدينته
العزاء هو الحجة نفسها: أصدقُ أهل المدينة هو مَن يُبقيه محتلّوها خارج أسوارها.
من التحرير إلى قاعات العالم#
حين انتفضت مصر في كانون الثاني/يناير 2011 وقُطع الإنترنت، أرسل البرغوثي قصيدته الجديدة «يا مصر هانت» بالفاكس إلى صحيفة قاهرية، كما تروي سيرته لدى مركز كينيدي. وبثّت «الجزيرة» تسجيلَ إلقائه، فظلّ يُعرض أسبوعين كلَّ ساعتين على شاشاتٍ مرتجلة في ميدان التحرير: الشعرُ يؤدي عملَ النشرة.
أما قرّاء الإنجليزية فانفتح لهم الباب عام 2017 حين أصدرت «إنترلينك» كتاب «في القدس وقصائد أخرى»: عشرون عاماً من الشعر نقلها إلى الإنجليزية الشاعرُ نفسه، وأمُّه رضوى عاشور قبل رحيلها عام 2014، وروائيةُ «خارطة الحب» أهداف سويف التي ترجمت قصيدة العنوان. ورحل الأب عام 2021، فحمل الابنُ أدبَ العائلة بلغتيه وحده، بين خمسة دواوين تتنقّل من الفصحى إلى العاميتين المصرية والفلسطينية وتعود.
تعيش القدس اليوم ساعةً أقسى من التي لقيتها القصيدة — ضراوة الحرب، واقتحامات أحياء البلدة القديمة، ودروب الحجيج التي تفرغ. ولهذا بالضبط تصعد القصيدة من جديد: لقد بُنيت لسنواتِ تعذُّرِ الوصول. وما دام السور قائماً بين الفلسطينيين ودار الحبيب، فلهم بيتُ شعرٍ يقول، عكسَ كل الظاهر: «متى تُبصرِ القدسَ العتيقةَ مرةً، فسوف تراها العينُ حيثُ تُديرُها».
